لم يعد ما يجري في النبطية ومحيطها مجرد تصعيد إسرائيلي عابر أو سلسلة غارات مرتبطة بأهداف منفصلة. طبيعة الضربات واتساعها، وتزامنها مع إنذارات الإخلاء، تطرح احتمال انتقال إسرائيل إلى مرحلة هدفها تفريغ المنطقة وتدمير مقومات الحياة فيها، على غرار ما فعلته سابقاً في بنت جبيل وعدد من القرى الحدودية.
خلال ثلاثة أيام، سقط 27 ضحية وأصيب 69 شخصاً، بينهم أطفال وسيدات ومسعفون. وسجّلت كفررمان إحدى أكثر الضربات دموية، فيما طاولت الغارات النبطية الفوقا وعربصاليم وميفدون ومناطق أخرى، بالتوازي مع إنذارات دفعت مئات العائلات إلى مغادرة منازلها.
لكن جوهر التصعيد لا يكمن في أعداد الغارات وحدها، بل في نوعية ما يُستهدف: منازل وأحياء سكنية، مبانٍ رسمية، طرق ومنشآت حيوية، وصولاً إلى تدمير مبنى مستشفى غندور في النبطية الفوقا. فحين يجتمع القصف مع التهجير وضرب البنية التي تسمح للسكان بالبقاء أو العودة، يصبح الهدف أبعد من ملاحقة عناصر أو مخازن سلاح، ويقترب من تحويل المنطقة إلى مساحة منكوبة يصعب العيش فيها.
وهنا تحديداً يظهر شبح بنت جبيل. فقد سبقت عملية تدميرها إنذارات ونزوح واسع، قبل أن تتحول عمليات النسف والقصف إلى مسار ممنهج طاول جزءاً كبيراً من المدينة والقرى المحيطة بها. والخشية اليوم هي أن تكون النبطية أمام التسلسل نفسه: إنذارات، ثم إخلاء، ثم ضرب المرافق والمنازل، وصولاً إلى فرض واقع ديموغرافي وميداني جديد.
واختيار النبطية ليس تفصيلاً. فالمدينة تشكل مركزاً سكانياً واقتصادياً وخدماتياً أساسياً للجنوب، وتقع خلف منطقة المواجهة المباشرة. وبالتالي، فإن الضغط عليها يسمح لإسرائيل بتوسيع دائرة النزوح إلى ما بعد القرى الحدودية، وخلق عمق فارغ خلف أي حزام أمني تعتزم تثبيته.
ويتزامن ذلك مع إعلان إسرائيل بسط سيطرتها العملياتية على مرتفعات علي الطاهر، واستعدادها لتفجير الأنفاق الموجودة فيها، بالتوازي مع تسريبات عن خطة للانتقال من “الخط الأصفر” إلى “الخط الرمادي”، الذي يمتد بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل لبنان. ولا تزال الخطة قيد البحث ولم تحصل على مصادقة سياسية نهائية.
إذا صحّت هذه المعطيات، فإن إسرائيل لا تستعد للانسحاب، بل لإعادة هندسة احتلالها: تدمير المواقع العميقة والمكلفة، والتراجع نحو حزام أقرب إلى الحدود، والإبقاء على حرية القصف والتدخل شماله. عندها يصبح استهداف النبطية جزءاً من الضغط لفرض هذا الواقع قبل أي مفاوضات، وليس مجرد ردّ عسكري محدود.
السؤال إذاً ليس ما إذا كانت الدبابات الإسرائيلية ستدخل النبطية غداً، بل ما إذا كانت إسرائيل تحاول جعل المدينة غير قابلة للحياة من دون الحاجة إلى احتلالها برياً. فـ”نموذج بنت جبيل” قد لا يتكرر بالصورة نفسها، لكنه قد يُعاد إنتاجه بالنتيجة ذاتها: أرض مدمّرة، سكان مهجّرون، واحتلال يعيد رسم حدوده بالنار.










