يبدو أن وزارة الصحة وجدت أخيراً “المختبر المرجعي” الذي تبحث عنه في قضية أدوية السرطان: جريدة “الأخبار”.
فبدل أن تواجه الأسئلة المثارة حول بعض الأدوية المسجّلة في لبنان بوثائق رقابية واضحة وفحوص مستقلة ونتائج مخبرية منشورة للرأي العام، عمدت، وفق معلومات “الحقيقة”، إلى إرسال مقال نشرته “الأخبار” على مجموعة خاصة تابعة للوزارة، في محاولة للدفاع عن موقفها وتبرير ما يجري في ملف الأدوية.
وهنا تكمن الفضيحة الحقيقية في المشهد.
نحن لا نتحدث عن سجال سياسي يحتمل الرأي والرأي الآخر، بل عن أدوية تُعطى لمرضى سرطان. وحين يصبح السؤال عن سلامة دواء وفعاليته، لا يعود مقال صحافي مرجعاً، ولا تصبح عبارة “كسر الاحتكار” شهادة جودة، ولا يكفي اتهام المعترضين بالدفاع عن كارتيلات الدواء للتهرب من الأسئلة العلمية.
موقع وزارة الصحة نفسه يُظهر أن لبنان سجّل أدوية Rituxirel وTrasturel وBevacirel، وهي تحتوي تباعاً على Rituximab وTrastuzumab وBevacizumab، وتُصنّعها شركة Reliance Life Sciences الهندية وتستوردها شركة Levant Pulse. وهذه المواد تُستخدم في علاجات سرطانية مختلفة.
لكن ماذا تقول المرجعية الأميركية عن المصنع؟
في 18 آب 2026، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA رسالة تحذير رسمية إلى Reliance Life Sciences بعد تفتيش منشأتها في Navi Mumbai. التقرير لم يتحدث عن خلاف تجاري ولا عن “كارتيل” يريد حماية أرباحه، بل عن مخالفات خطيرة في معايير التصنيع الجيد وسلامة النظام الرقابي داخل المنشأة. (U.S. Food and Drug Administration)
الـFDA وثّقت سجلات مخبرية غير دقيقة، وعيّنات ميكروبيولوجية سُجلت على أنها جُمعت وأُدخلت إلى الحاضنات، فيما أكد موظفون في المصنع أنها لم تُجمع أساساً. كما تحدثت الوكالة عن قصور في نزاهة البيانات وعن خطر منهجي في التقليل من تسجيل نتائج ميكروبية، بما يضرب قدرة المصنع على ضمان سلامة وجودة الأدوية التي تصل إلى المرضى. (U.S. Food and Drug Administration)
ولم تتوقف الملاحظات هنا.
الوكالة الأميركية وثّقت أيضاً ثغرات في الممارسات العقيمة يمكن أن تعرّض المنتجات الدوائية لخطر التلوث الميكروبيولوجي، وصولاً إلى توصيتها بسحب دفعات الأدوية العقيمة الموجودة في السوق الأميركية. وفي 19 حزيران 2026، وافقت الشركة على سحب جميع منتجاتها الدوائية العقيمة من التداول الأميركي وتعليق إنتاج الأدوية المخصصة للسوق الأميركية في تلك المنشأة. (U.S. Food and Drug Administration)
ثم جاءت الخطوة الأوضح: في 9 تموز 2026، وضعت FDA جميع الأدوية والمنتجات الدوائية المعروضة للاستيراد إلى الولايات المتحدة من هذه المنشأة على Import Alert 66-40، ما يتيح احتجازها من دون فحص مادي مسبق بسبب مخالفات معايير التصنيع الجيد. (U.S. Food and Drug Administration)
إذاً، المسألة ليست منشوراً على مواقع التواصل ولا إشاعة خرجت من مكتب أحد المنافسين.
هناك جهة رقابية أميركية تقول رسمياً إن لديها من المخالفات ما دفعها إلى سحب المنتجات العقيمة وتعليق الإنتاج المخصص للسوق الأميركية ووضع منتجات المنشأة تحت إجراء يمنع دخولها بصورة اعتيادية إلى الولايات المتحدة.
أما أوروبياً، فاللافت أن الأسماء التجارية اللبنانية المذكورة، Rituxirel وTrasturel وBevacirel، لا تظهر كأدوية حاصلة على ترخيص مركزي من وكالة الأدوية الأوروبية EMA، فيما تعتمد الوكالة الأوروبية بدائل أخرى من المواد الفعالة نفسها خضعت لمسارها التنظيمي، مثل عدد من بدائل bevacizumab وtrastuzumab المعتمدة أوروبياً. (European Medicines Agency (EMA))
وهنا يُطرح السؤال الذي تحاول وزارة الصحة القفز فوقه: إذا كانت كل هذه المعطيات موجودة، فلماذا لا تضع الوزارة أمام اللبنانيين، ببساطة، ملف كل دواء؟ أين صُنّعت كل دفعة؟ في أي خط إنتاج؟ ما نتيجة فحصها المستقل؟ ما المختبر المرجعي الذي أعاد تحليلها بعد إجراءات الـFDA؟ وهل أُعيد تقييم الأدوية الموجودة في لبنان بعد التحذير الأميركي؟
هذه هي الأجوبة المطلوبة.
لا مقال “الأخبار”.
ولا محاضرة عن كسر الاحتكار.
ولا تحويل القضية من ملف سلامة دوائية إلى صراع بين “الفقراء” و”شركات الأدوية الكبرى”.
كسر الاحتكار أمر مطلوب عندما يكون البديل آمناً وفعالاً ومثبت الجودة. تخفيض فاتورة الدواء مطلوب. وإنهاء الأرباح الاحتكارية مطلوب أيضاً. لكن حياة مريض السرطان ليست المكان المناسب لتجربة نظرية اقتصادية أو تسجيل نقطة سياسية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن وزارة يفترض بها أن تكون المرجعية الرسمية في الملف اختارت أن تستعين بمقال في صحيفة معروفة باصطفافها السياسي والإعلامي إلى جانب حزب الله ومحور إيران لتدافع عن نفسها، بدلاً من أن تترك أوراق المختبرات والهيئات الرقابية تتكلم.
من حق “الأخبار” أن تكتب ما تشاء، وأن تخوض معركتها السياسية والاقتصادية كما تشاء.
لكن وزارة الصحة ليست جريدة.
ووزير الصحة ليس رئيس تحرير.
وملف السرطان لا يُدار بالافتتاحيات.
عندما تطلب FDA سحب منتجات عقيمة، وتوثّق مشكلات في نزاهة البيانات واحتمالات التلوث، وتضع منتجات المصنع على قائمة احتجاز عند الحدود، تصبح مسؤولية الوزارة أن تواجه اللبنانيين بالعلم، لا بمقال صحافي.
أما أن تنتقل الحجة من وزارة الصحة إلى جريدة “الأخبار”، فلا يبقى أمامنا إلا القول:
على شكله… شكشكله!









