خاص “الحقيقة”
أشرف الناس” في ظرف… وروح الابن بـ500 دولار!
بعد انتهاء العزاء، وانصراف المعزّين، وإتمام مراسم الدفن، بقي والدٌ من أبناء الجنوب وحيداً أمام خسارة لا يمكن لأي مال أن يعوّضها. ابنه الذي كان أمام مكان رزقه استهدفته غارة، فخسر حياته في لحظة، تاركاً عائلةً مكلومة ووالداً لم يصدق بعد أن ابنه لن يعود.
تروي مصادر متابعة للوالد لـ”الحقيقة” أن العائلة تكبّدت، إلى جانب فاجعتها، أعباءً مادية كبيرة نتيجة الغارة وما تبعها من مراسم دفن وعزاء. دفع الرجل ما استطاع، وتحمّل ما يفوق قدرته، كي يودّع ابنه بما يليق به، من دون أن ينتظر ثمناً لدمه أو تعويضاً عن خسارة لا تُقدّر بكل أموال الدنيا.
لكن الصدمة الثانية جاءت بعد انتهاء المراسم.
بحسب رواية الوالد، حضر أشخاص من حزب الله إلى منزله وقدّموا إليه ظرفاً كُتبت عليه عبارة “أشرف الناس”، على غرار الأظرف التي يوزّعها الحزب في مثل هذه الحالات. تسلّم الأب الظرف من دون أن يعرف قيمة المبلغ الموجود داخله، ومن دون أن يكون المال أساساً ما يشغل باله أمام مصابه.
إلا أن الفضول دفعه لاحقاً إلى فتحه لمعرفة ما وضعه الحزب لعائلة فقدت ابنها وتحمّلت وحدها أعباء الغارة والدفن والعزاء.
فتح الظرف… فوجد في داخله 500 دولار فقط.
لم تكن صدمته نابعة من اعتقاده بأن المال قادر على تعويض ابنه، فهو يؤكد أن روح ابنه لا تُثمّن ولا تساويها أموال الدنيا. ما استفزّه هو اختصار هذه الخسارة كلّها، بكل ما حملته من وجع وغياب وأعباء، بمبلغ لا يكاد يغطي جزءاً يسيراً من تكاليف العزاء.
عندها انفجر الوالد غضباً، ووبّخ من سلّموه الظرف، معبّراً عن إهانته من الطريقة التي جرى التعامل بها مع مصابه. فابنه، بالنسبة إليه، ليس رقماً في سجلّ الضحايا، ولا اسماً ينتهي دوره بانتهاء مراسم التشييع، ولا روحاً يمكن وضع ثمن لها داخل ظرف.
يسأل الأب بمرارة: هل هذه هي قيمة من يُستهدفون في الجنوب؟ وهل تنتهي مسؤولية الحزب تجاه العائلات بمجرد تسليمها ظرفاً يحمل شعاراً كبيراً ومبلغاً صغيراً؟
بينما تُرفع شعارات التضحية والصمود وتُستثمر دماء أبناء الجنوب في الخطب والمواقف، تجد العائلات نفسها، بعد انطفاء الكاميرات وانتهاء التشييع، وحيدة أمام الحزن والديون وتداعيات الغارات.
ابن هذا الرجل لا يُقدَّر بثمن. لكن المفارقة القاسية، وفق ما رواه والده لـ”الحقيقة”، أن عبارة “أشرف الناس” كُتبت على الظرف من الخارج، بينما لم تتجاوز قيمة ما في داخله 500 دولار.
في زمن الشعارات الباهظة، اختُصرت روح ابنٍ من الجنوب بخمسمئة دولار.









