التعاون الأميركي الإيراني في اجتياح العراق عام 2003، كمن أتى بالدب إلى كرمه!!؟
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 وحملة بوش الابن في حربه على أفغانستان تحت عنوان محاربة الإرهاب، وغزوه للعراق في العام 2003 تحت حجج واهية من كذبة أسلحة الدمار الشامل إلى ارتباط النظام العراقي بالقاعدة، خلق بوش الابن قضية مشتركة له مع اليمين الإسلامي. فقبل وأثناء وبعد الغزو للعراق، ساندت الولايات المتحدة التحالف الموجود في المنفى المسمى المؤتمر الوطني العراقي، الذي كان يلعب دورًا أساسيًا، وكان يضم حزبين شيعيين أصوليين هما: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة الإسلامي في العراق. وكل من هذين الحزبين له ارتباطات وثيقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعمل كلاهما مع آية الله علي السيستاني.
وللتعرف بشكل أعمق على الإستراتيجية الأميركية الجيوسياسية للشرق الأوسط ما بعد الحرب الباردة، يمكن أن نعود إلى العديد من الكتب والتقارير والكتابات الأميركية الصادرة عن كتّاب معروفين أمثال هنتجتون وكتاب صدام الحضارات، وفوكوياما وكتاب نهاية التاريخ، وما كتبه الأخوان دالاس في ثمانينات القرن الماضي عن الشرق الأوسط، وغيرهم من المؤلفين الأميركيين. إلا أن أوضح ما يمكن التعرف إليه في تلك الإستراتيجية هو ما كتبه في العام 2004 رييل مارك جريشيت، أحد كبار ضباط المخابرات المركزية الأميركية.
في الصفحة العاشرة من هذا الكتاب، يعلن جريشيت أن مستقبل الشرق الأوسط هو لليمين الإسلامي، وأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن ترحب به، بالرغم من أن الكثيرين من الأميركيين يأملون في أن يكون المعتدلون المسلمون العلمانيون هم الأغلبية الصامتة في الشرق الأوسط. ويكتب جريشيت: "إن المسلمين المعتدلين قد لا يكونون هم السبيل إلى شرق أوسط أقل تهديدًا"، ويضيف: "إن معظم الأميركيين الليبراليين والمحافظين سوف يقاومون بشدة فكرة أن رجال الدين المسلمين والأصوليين الذين عادة ما يكرهون، إن لم يكونوا يخافون، الولايات المتحدة وإسرائيل والقضايا التقدمية مثل حقوق المرأة، هم مفتاح تحرير مسلمي الشرق الأوسط من عداوتهم للغرب المنعكسة من الأزمنة القديمة. هؤلاء الرجال، وليس الليبراليين والعلمانيين، هم محط الإعجاب والثناء، وأحيانًا الحماية من قبل الحكومة والصحافة الأميركية، وهم أثمن الحلفاء المحتملين للولايات المتحدة الأميركية".
وفي حياكة على نفس المنوال، يفضّل جريشيت الخميني مقارنة بمبارك، حيث يقول: "إن الخميني قد وضع فكرة الجمهورية الإسلامية موضع التصويت الشعبي سنة 1979، والإنتخابات العادية مع بعض عناصر المنافسة ضرورة أخلاقية فيما يتعلق بإدراك النظام لمدى شرعيته، وهو ذاته شيء مختلف تمامًا فيما يتعلق بالوضع الدكتاتوري للرئيس حسني مبارك في مصر". ويضيف: "إن معاداة أميركا هي السائدة في الدول العربية التي تحكمها أنظمة دكتاتورية موالية لأميركا، والمقارنة توضح أن إيران هي دولة موالية بعمق لأميركا". وبعد أن يعترف بالروابط الفكرية المباشرة بين جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها البنا والقاعدة التي أنشأها بن لادن، ينتهي إلى أن دكتاتورية الإخوان المسلمين في مصر سوف تكون أفضل من نظام مبارك.
من هذه الخلفية، نفهم وقوف الإدارة الأميركية إلى جانب الإخوان المسلمين ضد السيسي، والمرونة غير المعهودة في التفاوض مع إيران حول ملفها النووي والتعاون معها في العراق، إن لم نقل إطلاق يدها في العراق، والصمت عن دورها في سوريا.
إن الإستراتيجية الأميركية تهدف في النهاية إلى تحقيق السيطرة على الشرق الأوسط، وليس إصلاحه، حتى لو أدى ذلك إلى تمزيق وحدة بلدانها وتشطيرها أجزاء متقدمة لتحل بدلًا منها دويلات صغيرة تقوم على الإثنية والانعزال.
واليمين الإسلامي هو مجرد أداة أخرى في هذه المنظومة تُستخدم لتفكيك الدول والأنظمة القائمة.
وفي مقال نشرته مجلة الشؤون الخارجية الأميركية تحت عنوان "إعادة النظر في شؤون الشرق الأوسط" سنة 1992، يوضح برنار لويس ما يعنيه مباشرة بعملية إعادة النظر تلك، والتي أطلق عليها "اللبننة".
إن معظم دول المنطقة، حسب الاستراتيجيين الأميركيين ومنهم برنار لويس، فيما عدا مصر، هي دول ذات بنية حديثة مصنوعة، ومعرّضة لمثل هذه العملية (اللبننة).
وهذا ما تنبأ به لاحقًا للعراق تشاس فريدمان بعد الغزو الأميركي: "إن مقاصد المحافظين الجدد في العراق لم يكن أبدًا بناء ديمقراطية حقيقية هناك، كان القصد هو تسويته بالأرض، وإزالته بوصفة تهديد إقليمي لإسرائيل".
ليس العراق وحده هو المعرض للتفكيك، فالمحافظون الجدد كشفوا عن نواياهم إزاء السعودية أيضًا، حيث جاء في كتاب لعبة الشيطان (روبرت دريفوس)، صفحة 382، أن ريتشارد بيرل وديفيد فرومو، كلاهما عضو في المؤسسة الأميركية للمشروعات، يقترحان استخدام الأصولية الشيعية ضد الدولة السعودية، ذلك أن الشيعة يشكّلون قوة لها شأنها على شاطئ الخليج الفارسي، حيث توجد حقول البترول السعودية. ويلاحظ بيرل وفروم: "طالما السعوديون يخشون من مطالب الشيعة ذات يوم باستقلال الساحل الشرقي والبترول الخاص به، ومن المؤكد أن استقلال المناطق الشرقية سيكون بمثابة كارثة للسعودية، ولكنه قد يكون أمرًا جيدًا جدًا بالنسبة للولايات المتحدة، وما هو أجدر بالتأكيد، إننا نريد للسعودية أن تعلم أننا نعلم أنها تمعن النظر في ذلك".
وبنفس المنطق، يضيفان: "إن قيادة رجال الدين في طهران، التي يتضح أنها شددت قبضتها الحديدية على السنة في جمهورية إيران الإسلامية، يمكن أن تتوقع شيئًا من الذين نتوقعه هناك"، أي في السعودية.
هكذا، عن قصد أو غير قصد، يتجند الإسلام السياسي على امتداد العالمين العربي والإسلامي في خدمة مشروع التفتيت الأميركي-الصهيوني حتى الآن، ولا يلوح في الأفق ما يؤشر إلى إمكانية قيام بدائل تقود بلدان المنطقة إلى بناء الدولة المدنية الحديثة، التعددية الديمقراطية.
سوف يمر وقت طويل من المواجهات الدامية على حدود المذاهب والطوائف والأعراق، لتكرّس حالة الانقسام التي أرادتها وخططت لها دوائر الغرب – الأميركي تحديدًا – ووقعت في فخها، وتخدمها دول وأنظمة في المنطقة في مشروع الشرق الأوسط الجديد.
غير أن بريقًا من الأمل يمكن أن يراهن عليه في وضع حد للمآسي ووقف عداد القتل والذبح على طريق إعادة النظر في طبيعة الأنظمة، وليس الكيانات، إفشالًا للمشروع الأميركي الذي يدعي قادة الحروب الدائرة في المنطقة محاربته، بينما في الواقع هم يقدمون لها التنازلات في الكيماوي والنووي والسيادة، ويحجمون عن تقديم التنازل أمام شعوبهم من أجل إدارة حرة ديمقراطية تعددية لبلدانهم.
إن الإجرام المتمادي الذي يُرتكب بحق الناس من كل الأديان والأعراق باسم الدين أصبح يثير اشمئزاز جموع المؤمنين من المسلمين قبل غيرهم، ويتحول اليوم إلى دعوة للمراجع والفلاسفة والمثقفين لإعادة البحث والتدقيق في العديد من النصوص الدينية التي تُستغل من قبل بعض التيارات الدينية لتبرر بها عملياتها الإجرامية.
كما تتوسع الدعوة إلى إعلان صرخة مدوية لوقف توظيف الدين في السياسة، الأمر الذي يجب أن يقودنا إلى ما راحت إليه الثورة الفرنسية في العام 1789 في فصل الدين عن الدولة، تلك اللحظة التاريخية التي أسست لانطلاق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، التي تنعم بمُثلها الإنسانية العديد من شعوب الأرض.
وعلى هذه الطريق، لنا في التجربة التونسية نموذجًا في الدرس الفاشل للإخوان المسلمين، وكذلك في مصر أيضًا، والأمل في وضع العملية الديمقراطية في مصر على سكة الوصول، فتعود مصر مجددًا رافعةً للمشروع العربي التحرري على قاعدة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والتعددية، فتجمع قوتها المدعومة من الجمهور المصري والجماهير العربية الحرة إلى الثروة التي يحتضنها باطن الخليج في مشهدية جديدة بين القيادتين المصرية والخليجية، والسعودية خاصة، بنجاح مشروع التغيير الذي أحدثه الأمير محمد بن سلمان، والذي يمثل نقيضًا لما كانت عليه مشهدية خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فيتحول العرب إلى قوة إقليمية وازنة ومقررة في السياسة الدولية، بدل أن تبقى المنطقة العربية ساحة وملعبًا وفريسة لمخططات الآخرين.
لا بد لنا من أن نحلم، ولكن علينا أن نعمل لذلك أيضًا.
يوسف مرتضى - كاتب سياسي

كتب يوسف مرتضى:التعاون الأميركي الإيراني في اجتياح العراق عام 2003، كمن أتى بالدب إلى كرمه!!؟

يوسف مرتضى
·5 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب يوسف مرتضى:التعاون الأميركي الإيراني في اجتياح العراق عام 2003، كمن أتى بالدب إلى كرمه!!؟

يوسف مرتضى
·5 د قراءة
تم نسخ الرابط
التعاون الأميركي الإيراني في اجتياح العراق عام 2003، كمن أتى بالدب إلى كرمه!!؟
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 وحملة بوش الابن في حربه على أفغانستان تحت عنوان محاربة الإرهاب، وغزوه للعراق في العام 2003 تحت حجج واهية من كذبة أسلحة الدمار الشامل إلى ارتباط النظام العراقي بالقاعدة، خلق بوش الابن قضية مشتركة له مع اليمين الإسلامي. فقبل وأثناء وبعد الغزو للعراق، ساندت الولايات المتحدة التحالف الموجود في المنفى المسمى المؤتمر الوطني العراقي، الذي كان يلعب دورًا أساسيًا، وكان يضم حزبين شيعيين أصوليين هما: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة الإسلامي في العراق. وكل من هذين الحزبين له ارتباطات وثيقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعمل كلاهما مع آية الله علي السيستاني.
وللتعرف بشكل أعمق على الإستراتيجية الأميركية الجيوسياسية للشرق الأوسط ما بعد الحرب الباردة، يمكن أن نعود إلى العديد من الكتب والتقارير والكتابات الأميركية الصادرة عن كتّاب معروفين أمثال هنتجتون وكتاب صدام الحضارات، وفوكوياما وكتاب نهاية التاريخ، وما كتبه الأخوان دالاس في ثمانينات القرن الماضي عن الشرق الأوسط، وغيرهم من المؤلفين الأميركيين. إلا أن أوضح ما يمكن التعرف إليه في تلك الإستراتيجية هو ما كتبه في العام 2004 رييل مارك جريشيت، أحد كبار ضباط المخابرات المركزية الأميركية.
في الصفحة العاشرة من هذا الكتاب، يعلن جريشيت أن مستقبل الشرق الأوسط هو لليمين الإسلامي، وأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن ترحب به، بالرغم من أن الكثيرين من الأميركيين يأملون في أن يكون المعتدلون المسلمون العلمانيون هم الأغلبية الصامتة في الشرق الأوسط. ويكتب جريشيت: "إن المسلمين المعتدلين قد لا يكونون هم السبيل إلى شرق أوسط أقل تهديدًا"، ويضيف: "إن معظم الأميركيين الليبراليين والمحافظين سوف يقاومون بشدة فكرة أن رجال الدين المسلمين والأصوليين الذين عادة ما يكرهون، إن لم يكونوا يخافون، الولايات المتحدة وإسرائيل والقضايا التقدمية مثل حقوق المرأة، هم مفتاح تحرير مسلمي الشرق الأوسط من عداوتهم للغرب المنعكسة من الأزمنة القديمة. هؤلاء الرجال، وليس الليبراليين والعلمانيين، هم محط الإعجاب والثناء، وأحيانًا الحماية من قبل الحكومة والصحافة الأميركية، وهم أثمن الحلفاء المحتملين للولايات المتحدة الأميركية".
وفي حياكة على نفس المنوال، يفضّل جريشيت الخميني مقارنة بمبارك، حيث يقول: "إن الخميني قد وضع فكرة الجمهورية الإسلامية موضع التصويت الشعبي سنة 1979، والإنتخابات العادية مع بعض عناصر المنافسة ضرورة أخلاقية فيما يتعلق بإدراك النظام لمدى شرعيته، وهو ذاته شيء مختلف تمامًا فيما يتعلق بالوضع الدكتاتوري للرئيس حسني مبارك في مصر". ويضيف: "إن معاداة أميركا هي السائدة في الدول العربية التي تحكمها أنظمة دكتاتورية موالية لأميركا، والمقارنة توضح أن إيران هي دولة موالية بعمق لأميركا". وبعد أن يعترف بالروابط الفكرية المباشرة بين جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها البنا والقاعدة التي أنشأها بن لادن، ينتهي إلى أن دكتاتورية الإخوان المسلمين في مصر سوف تكون أفضل من نظام مبارك.
من هذه الخلفية، نفهم وقوف الإدارة الأميركية إلى جانب الإخوان المسلمين ضد السيسي، والمرونة غير المعهودة في التفاوض مع إيران حول ملفها النووي والتعاون معها في العراق، إن لم نقل إطلاق يدها في العراق، والصمت عن دورها في سوريا.
إن الإستراتيجية الأميركية تهدف في النهاية إلى تحقيق السيطرة على الشرق الأوسط، وليس إصلاحه، حتى لو أدى ذلك إلى تمزيق وحدة بلدانها وتشطيرها أجزاء متقدمة لتحل بدلًا منها دويلات صغيرة تقوم على الإثنية والانعزال.
واليمين الإسلامي هو مجرد أداة أخرى في هذه المنظومة تُستخدم لتفكيك الدول والأنظمة القائمة.
وفي مقال نشرته مجلة الشؤون الخارجية الأميركية تحت عنوان "إعادة النظر في شؤون الشرق الأوسط" سنة 1992، يوضح برنار لويس ما يعنيه مباشرة بعملية إعادة النظر تلك، والتي أطلق عليها "اللبننة".
إن معظم دول المنطقة، حسب الاستراتيجيين الأميركيين ومنهم برنار لويس، فيما عدا مصر، هي دول ذات بنية حديثة مصنوعة، ومعرّضة لمثل هذه العملية (اللبننة).
وهذا ما تنبأ به لاحقًا للعراق تشاس فريدمان بعد الغزو الأميركي: "إن مقاصد المحافظين الجدد في العراق لم يكن أبدًا بناء ديمقراطية حقيقية هناك، كان القصد هو تسويته بالأرض، وإزالته بوصفة تهديد إقليمي لإسرائيل".
ليس العراق وحده هو المعرض للتفكيك، فالمحافظون الجدد كشفوا عن نواياهم إزاء السعودية أيضًا، حيث جاء في كتاب لعبة الشيطان (روبرت دريفوس)، صفحة 382، أن ريتشارد بيرل وديفيد فرومو، كلاهما عضو في المؤسسة الأميركية للمشروعات، يقترحان استخدام الأصولية الشيعية ضد الدولة السعودية، ذلك أن الشيعة يشكّلون قوة لها شأنها على شاطئ الخليج الفارسي، حيث توجد حقول البترول السعودية. ويلاحظ بيرل وفروم: "طالما السعوديون يخشون من مطالب الشيعة ذات يوم باستقلال الساحل الشرقي والبترول الخاص به، ومن المؤكد أن استقلال المناطق الشرقية سيكون بمثابة كارثة للسعودية، ولكنه قد يكون أمرًا جيدًا جدًا بالنسبة للولايات المتحدة، وما هو أجدر بالتأكيد، إننا نريد للسعودية أن تعلم أننا نعلم أنها تمعن النظر في ذلك".
وبنفس المنطق، يضيفان: "إن قيادة رجال الدين في طهران، التي يتضح أنها شددت قبضتها الحديدية على السنة في جمهورية إيران الإسلامية، يمكن أن تتوقع شيئًا من الذين نتوقعه هناك"، أي في السعودية.
هكذا، عن قصد أو غير قصد، يتجند الإسلام السياسي على امتداد العالمين العربي والإسلامي في خدمة مشروع التفتيت الأميركي-الصهيوني حتى الآن، ولا يلوح في الأفق ما يؤشر إلى إمكانية قيام بدائل تقود بلدان المنطقة إلى بناء الدولة المدنية الحديثة، التعددية الديمقراطية.
سوف يمر وقت طويل من المواجهات الدامية على حدود المذاهب والطوائف والأعراق، لتكرّس حالة الانقسام التي أرادتها وخططت لها دوائر الغرب – الأميركي تحديدًا – ووقعت في فخها، وتخدمها دول وأنظمة في المنطقة في مشروع الشرق الأوسط الجديد.
غير أن بريقًا من الأمل يمكن أن يراهن عليه في وضع حد للمآسي ووقف عداد القتل والذبح على طريق إعادة النظر في طبيعة الأنظمة، وليس الكيانات، إفشالًا للمشروع الأميركي الذي يدعي قادة الحروب الدائرة في المنطقة محاربته، بينما في الواقع هم يقدمون لها التنازلات في الكيماوي والنووي والسيادة، ويحجمون عن تقديم التنازل أمام شعوبهم من أجل إدارة حرة ديمقراطية تعددية لبلدانهم.
إن الإجرام المتمادي الذي يُرتكب بحق الناس من كل الأديان والأعراق باسم الدين أصبح يثير اشمئزاز جموع المؤمنين من المسلمين قبل غيرهم، ويتحول اليوم إلى دعوة للمراجع والفلاسفة والمثقفين لإعادة البحث والتدقيق في العديد من النصوص الدينية التي تُستغل من قبل بعض التيارات الدينية لتبرر بها عملياتها الإجرامية.
كما تتوسع الدعوة إلى إعلان صرخة مدوية لوقف توظيف الدين في السياسة، الأمر الذي يجب أن يقودنا إلى ما راحت إليه الثورة الفرنسية في العام 1789 في فصل الدين عن الدولة، تلك اللحظة التاريخية التي أسست لانطلاق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، التي تنعم بمُثلها الإنسانية العديد من شعوب الأرض.
وعلى هذه الطريق، لنا في التجربة التونسية نموذجًا في الدرس الفاشل للإخوان المسلمين، وكذلك في مصر أيضًا، والأمل في وضع العملية الديمقراطية في مصر على سكة الوصول، فتعود مصر مجددًا رافعةً للمشروع العربي التحرري على قاعدة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والتعددية، فتجمع قوتها المدعومة من الجمهور المصري والجماهير العربية الحرة إلى الثروة التي يحتضنها باطن الخليج في مشهدية جديدة بين القيادتين المصرية والخليجية، والسعودية خاصة، بنجاح مشروع التغيير الذي أحدثه الأمير محمد بن سلمان، والذي يمثل نقيضًا لما كانت عليه مشهدية خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فيتحول العرب إلى قوة إقليمية وازنة ومقررة في السياسة الدولية، بدل أن تبقى المنطقة العربية ساحة وملعبًا وفريسة لمخططات الآخرين.
لا بد لنا من أن نحلم، ولكن علينا أن نعمل لذلك أيضًا.
يوسف مرتضى - كاتب سياسي








