بين 7 أيار 2008 وواقع اليوم: هل ما زالت معادلة القوة تحكم لبنان؟
7 أيار 2008، يوم احتلّ فيه حزب الله بيروت بسطوة “القمصان السود” وفرض معادلة سياسية بالقوة.
حينها شكّل إدخال السلاح إلى الداخل اللبناني لحظة مفصلية، انبسطت فيها “الدويلة”، وتراجعت سلطة وهيبة الدولة أمام ميزان الميليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل هذا الحدث إلى سابقة تُستحضر عند كل أزمة كأداة ضغط وترهيب في مواجهة الصراعات السياسية.
اليوم، وبعد سنوات من ذلك التحوّل، يعود شبح هذا النموذج إلى الواجهة في ظل أزمات متراكمة يعيشها لبنان، من الانهيار الاقتصادي إلى التوترات الإقليمية التي تتقاطع على أرضه، متكبّداً رغماً عنه نتائجها. يرتفع منسوب الخطاب السياسي، ويُعاد التلويح بالشارع كوسيلة ضغط، في مشهد يستحضر ملامح مناخات سابقة. إلا أن الواقع لم يعد كما كان؛ فالتوازنات الداخلية تبدّلت، والبيئة الشعبية تغيّرت، كما أن كلفة أي انزلاق داخلي باتت أعلى بكثير في ظل هشاشة الدولة وتزايد الضغوط الخارجية.
فبين سابقة 7 أيار وواقع الحال، يبرز السؤال بوضوح: هل لا يزال خيار فرض الوقائع بالقوة قابلاً للتكرار، أم أن التحولات التي شهدها لبنان جعلت هذه الورقة أقل قابلية للاستخدام وأكثر كلفة على من يلجأ إليها؟
لم تكن أحداث 7 أيار مجرد تطور أمني عابر، بل شكّلت محطة مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة وموازين القوة الداخلية. فقد انطلق التصعيد على خلفية قرارات حكومية، لكنه سرعان ما تمدّد إلى مواجهة ميدانية في بيروت انتهت بفرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. ومع توسّع الاشتباك، برز انتقال السلاح من وظيفة الردع الخارجي المزعومة إلى الصدر اللبناني، ما أدى إلى شلل فعلي في القرارات السياسية، وإعادة ترتيب ميزان القوى تحت ضغط القوة المباشرة. وقد انتهت تلك المرحلة بتسوية اتفاق الدوحة عام 2008، الذي أعاد تنظيم الحياة السياسية وكرّس توازناً جديداً في إدارة السلطة.
غير أن أهمية تلك اللحظة لا تكمن في نتائجها المباشرة فقط، بل في كونها أسست "فزعية سياسية" تحوّلت لاحقاً إلى عنصر ضغط مباشر في محطات داخلية متعددة، حيث بات استحضارها جزءاً من إدارة الصراع السياسي، وليس مجرد استذكار تاريخي له. كما و الجدير بالذكر المرحلة التي سبقت 7 أيار، من اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى الأزمة السياسية التي رافقت حكومة فؤاد السنيورة، كمسار متدرّج من التصعيد السياسي والأمني، ساهم في إعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي، وفتح الباب أمام تسويات تُفرض تحت ضغط ميزان القوة الى ايامنا هذه الغير البعيدة.
و لكن عند المقارنة بين المرحلة السابقة والواقع الحالي، يتضح أن عناصر التشابه ما زالت حاضرة على مستوى الشكل السياسي العام، لكن جوهر المعادلة تغيّر بشكل أعمق بكثير مما يبدو على السطح. فمن جهة، لا يزال الانقسام السياسي سمة ثابتة في الحياة اللبنانية، يتجدد مع كل استحقاق داخلي أو إقليمي، كما أن الاحتقان الطائفي يبقى قابلاً للارتفاع في لحظات التوتر، ما يعيد إنتاج بيئة قابلة للاشتعال السياسي بشكل دوري.
لكن في المقابل، تبدّلت الركائز الأساسية التي كانت تحكم المشهد عام 2008. فميزان القوى الداخلي لم يعد يسمح بإنتاج وقائع سريعة ومباشرة كما في السابق، إذ أصبحت أي خطوة داخلية محكومة بكلفة أعلى، وتعقيدات أكبر، واحتمال انفلات غير قابل للضبط.
كما أن وضع الدولة تغيّر جذرياً، من هشاشة سياسية ضمن بنية قائمة، إلى انهيار اقتصادي ومالي وإداري واسع، ما جعل الدولة نفسها طرفاً ضعيفاً في إدارة التوازنات، لا مرجعية قادرة على ضبطها.
أما على مستوى الشارع، فقد تغيّر المزاج العام بشكل واضح. فبعد الانهيار المالي والأزمات المتتالية، لم يعد الشارع اللبناني قابلاً بسهولة للتحرك ضمن حسابات سياسية تقليدية، بل بات أقرب إلى حالة رفض للمواجهة الداخلية، وخشية من أي انفجار جديد أكثر مما هو قابل للتوظيف السياسي. بذلك، ورغم استمرار بعض التشابهات الشكلية، فإن البيئة التي سمحت بإنتاج معادلات 2008 لم تعد قائمة بالشكل نفسه ايضاً، ما يجعل إعادة إنتاج السيناريو أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحقق.
كما ان البلد اليوم لم يعد في حالة سياسية طبيعية يمكن فيها لأي طرف أن يعيد فرض توازن جديد بالقوة. فهو يعيش انهياراً اقتصادياً شاملاً، ودولة شبه مشلولة، وبنية اجتماعية مثقلة بأزمات متراكمة و ترنحات ما سبق، وصولاً إلى تداعيات حرب مفتوحة لا يتحكم بها اللبنانيون أصلاً.
وما يزيد المشهد تعقيداً، أن بيئة حزب الله نفسها لم تعد في موقع القدرة على تحمّل أي مغامرة داخلية إضافية. فهي بيئة أنهكتها الحرب، واستنزفتها تداعياتها المباشرة، من نزوح واسع من مناطقها، إلى ضغط اقتصادي خانق، وصولاً إلى واقع أمني مضطرب بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على أكثر من نقطة جنوبية حتى اليوم.
في هذا السياق، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بإرادة سياسية أو قرار ميداني، بل بواقع اجتماعي واقتصادي وإنساني لم يعد يحتمل أي انفجار داخلي إضافي. فالمجتمع اللبناني بكل مكوناته، بما فيه البيئة الحاضنة للحزب، يعيش حالة إنهاك عام، تجعل أي انزلاق نحو مواجهة داخلية بمثابة ترف سياسي مكلف لا قدرة لأحد على تحمّله. وهنا تحديداً تتغير المعادلة: ليس لأن أدوات القوة اختفت، بل لأن الأرض التي كانت تستوعب نتائج استخدامها لم تعد قادرة على ذلك.
وبين 2008 واليوم، تتبدل طبيعة السؤال. في الماضي كان النقاش يدور حول كيفية فرض الوقائع، أما اليوم، فالسؤال بات حول الكلفة، وحول ما إذا كان أي استخدام للقوة يمكن أن ينتج شيئاً يمكن التحكم به أصلاً، في ظل حرب مفتوحة، وضغط دولي، وانهيار داخلي شامل.من هنا، فإن استعادة سيناريو 7 أيار، سواء كتهديد من الحزب العسكري حكم أو كاحتمال سياسي من الثنائي، تبدو اليوم منفصلة عن الواقع الفعلي، لأن شروط إنتاجه لم تعد قائمة، ليس سياسياً فقط، بل اجتماعياً وميدانياً واقتصادياً أيضاً.
في الخلاصة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح: هل سقطت معادلة فرض القوة في لبنان؟
الجواب لا يبدو مطلقاً، لكن المؤكد أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتطبيق بالشكل الذي عرفه لبنان عام 2008. لم تعد أداة سهلة، ولا ورقة قابلة للاستخدام السياسي البسيط، بل تحوّلت إلى مسار عالي الكلفة، مفتوح على نتائج لا يمكن ضبطها.وفي لبنان اليوم، قد لا تكون المشكلة في من يملك القوة…بل في بلد لم يعد يحتمل نتائج استخدامها أصلاً.

كتبت جنان شعيب:بين 7 أيار 2008 وواقع اليوم: هل ما زالت معادلة القوة تحكم لبنان؟
·4 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتبت جنان شعيب:بين 7 أيار 2008 وواقع اليوم: هل ما زالت معادلة القوة تحكم لبنان؟
·4 د قراءة
تم نسخ الرابط
بين 7 أيار 2008 وواقع اليوم: هل ما زالت معادلة القوة تحكم لبنان؟
7 أيار 2008، يوم احتلّ فيه حزب الله بيروت بسطوة “القمصان السود” وفرض معادلة سياسية بالقوة.
حينها شكّل إدخال السلاح إلى الداخل اللبناني لحظة مفصلية، انبسطت فيها “الدويلة”، وتراجعت سلطة وهيبة الدولة أمام ميزان الميليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل هذا الحدث إلى سابقة تُستحضر عند كل أزمة كأداة ضغط وترهيب في مواجهة الصراعات السياسية.
اليوم، وبعد سنوات من ذلك التحوّل، يعود شبح هذا النموذج إلى الواجهة في ظل أزمات متراكمة يعيشها لبنان، من الانهيار الاقتصادي إلى التوترات الإقليمية التي تتقاطع على أرضه، متكبّداً رغماً عنه نتائجها. يرتفع منسوب الخطاب السياسي، ويُعاد التلويح بالشارع كوسيلة ضغط، في مشهد يستحضر ملامح مناخات سابقة. إلا أن الواقع لم يعد كما كان؛ فالتوازنات الداخلية تبدّلت، والبيئة الشعبية تغيّرت، كما أن كلفة أي انزلاق داخلي باتت أعلى بكثير في ظل هشاشة الدولة وتزايد الضغوط الخارجية.
فبين سابقة 7 أيار وواقع الحال، يبرز السؤال بوضوح: هل لا يزال خيار فرض الوقائع بالقوة قابلاً للتكرار، أم أن التحولات التي شهدها لبنان جعلت هذه الورقة أقل قابلية للاستخدام وأكثر كلفة على من يلجأ إليها؟
لم تكن أحداث 7 أيار مجرد تطور أمني عابر، بل شكّلت محطة مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة وموازين القوة الداخلية. فقد انطلق التصعيد على خلفية قرارات حكومية، لكنه سرعان ما تمدّد إلى مواجهة ميدانية في بيروت انتهت بفرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. ومع توسّع الاشتباك، برز انتقال السلاح من وظيفة الردع الخارجي المزعومة إلى الصدر اللبناني، ما أدى إلى شلل فعلي في القرارات السياسية، وإعادة ترتيب ميزان القوى تحت ضغط القوة المباشرة. وقد انتهت تلك المرحلة بتسوية اتفاق الدوحة عام 2008، الذي أعاد تنظيم الحياة السياسية وكرّس توازناً جديداً في إدارة السلطة.
غير أن أهمية تلك اللحظة لا تكمن في نتائجها المباشرة فقط، بل في كونها أسست "فزعية سياسية" تحوّلت لاحقاً إلى عنصر ضغط مباشر في محطات داخلية متعددة، حيث بات استحضارها جزءاً من إدارة الصراع السياسي، وليس مجرد استذكار تاريخي له. كما و الجدير بالذكر المرحلة التي سبقت 7 أيار، من اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى الأزمة السياسية التي رافقت حكومة فؤاد السنيورة، كمسار متدرّج من التصعيد السياسي والأمني، ساهم في إعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي، وفتح الباب أمام تسويات تُفرض تحت ضغط ميزان القوة الى ايامنا هذه الغير البعيدة.
و لكن عند المقارنة بين المرحلة السابقة والواقع الحالي، يتضح أن عناصر التشابه ما زالت حاضرة على مستوى الشكل السياسي العام، لكن جوهر المعادلة تغيّر بشكل أعمق بكثير مما يبدو على السطح. فمن جهة، لا يزال الانقسام السياسي سمة ثابتة في الحياة اللبنانية، يتجدد مع كل استحقاق داخلي أو إقليمي، كما أن الاحتقان الطائفي يبقى قابلاً للارتفاع في لحظات التوتر، ما يعيد إنتاج بيئة قابلة للاشتعال السياسي بشكل دوري.
لكن في المقابل، تبدّلت الركائز الأساسية التي كانت تحكم المشهد عام 2008. فميزان القوى الداخلي لم يعد يسمح بإنتاج وقائع سريعة ومباشرة كما في السابق، إذ أصبحت أي خطوة داخلية محكومة بكلفة أعلى، وتعقيدات أكبر، واحتمال انفلات غير قابل للضبط.
كما أن وضع الدولة تغيّر جذرياً، من هشاشة سياسية ضمن بنية قائمة، إلى انهيار اقتصادي ومالي وإداري واسع، ما جعل الدولة نفسها طرفاً ضعيفاً في إدارة التوازنات، لا مرجعية قادرة على ضبطها.
أما على مستوى الشارع، فقد تغيّر المزاج العام بشكل واضح. فبعد الانهيار المالي والأزمات المتتالية، لم يعد الشارع اللبناني قابلاً بسهولة للتحرك ضمن حسابات سياسية تقليدية، بل بات أقرب إلى حالة رفض للمواجهة الداخلية، وخشية من أي انفجار جديد أكثر مما هو قابل للتوظيف السياسي. بذلك، ورغم استمرار بعض التشابهات الشكلية، فإن البيئة التي سمحت بإنتاج معادلات 2008 لم تعد قائمة بالشكل نفسه ايضاً، ما يجعل إعادة إنتاج السيناريو أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحقق.
كما ان البلد اليوم لم يعد في حالة سياسية طبيعية يمكن فيها لأي طرف أن يعيد فرض توازن جديد بالقوة. فهو يعيش انهياراً اقتصادياً شاملاً، ودولة شبه مشلولة، وبنية اجتماعية مثقلة بأزمات متراكمة و ترنحات ما سبق، وصولاً إلى تداعيات حرب مفتوحة لا يتحكم بها اللبنانيون أصلاً.
وما يزيد المشهد تعقيداً، أن بيئة حزب الله نفسها لم تعد في موقع القدرة على تحمّل أي مغامرة داخلية إضافية. فهي بيئة أنهكتها الحرب، واستنزفتها تداعياتها المباشرة، من نزوح واسع من مناطقها، إلى ضغط اقتصادي خانق، وصولاً إلى واقع أمني مضطرب بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على أكثر من نقطة جنوبية حتى اليوم.
في هذا السياق، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بإرادة سياسية أو قرار ميداني، بل بواقع اجتماعي واقتصادي وإنساني لم يعد يحتمل أي انفجار داخلي إضافي. فالمجتمع اللبناني بكل مكوناته، بما فيه البيئة الحاضنة للحزب، يعيش حالة إنهاك عام، تجعل أي انزلاق نحو مواجهة داخلية بمثابة ترف سياسي مكلف لا قدرة لأحد على تحمّله. وهنا تحديداً تتغير المعادلة: ليس لأن أدوات القوة اختفت، بل لأن الأرض التي كانت تستوعب نتائج استخدامها لم تعد قادرة على ذلك.
وبين 2008 واليوم، تتبدل طبيعة السؤال. في الماضي كان النقاش يدور حول كيفية فرض الوقائع، أما اليوم، فالسؤال بات حول الكلفة، وحول ما إذا كان أي استخدام للقوة يمكن أن ينتج شيئاً يمكن التحكم به أصلاً، في ظل حرب مفتوحة، وضغط دولي، وانهيار داخلي شامل.من هنا، فإن استعادة سيناريو 7 أيار، سواء كتهديد من الحزب العسكري حكم أو كاحتمال سياسي من الثنائي، تبدو اليوم منفصلة عن الواقع الفعلي، لأن شروط إنتاجه لم تعد قائمة، ليس سياسياً فقط، بل اجتماعياً وميدانياً واقتصادياً أيضاً.
في الخلاصة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح: هل سقطت معادلة فرض القوة في لبنان؟
الجواب لا يبدو مطلقاً، لكن المؤكد أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتطبيق بالشكل الذي عرفه لبنان عام 2008. لم تعد أداة سهلة، ولا ورقة قابلة للاستخدام السياسي البسيط، بل تحوّلت إلى مسار عالي الكلفة، مفتوح على نتائج لا يمكن ضبطها.وفي لبنان اليوم، قد لا تكون المشكلة في من يملك القوة…بل في بلد لم يعد يحتمل نتائج استخدامها أصلاً.











