لبنان على حافة التعليق… دولة تفاوض فوق النار وحدود تُرسم في الخارج
يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الدقة، تتقاطع فيها التطورات الميدانية في الجنوب مع مسارات تفاوض دولية وإقليمية متسارعة، في ظل هدنة هشة لا تزال تفتقر إلى ضمانات ثابتة. فالمشهد الجنوبي لم يعد مجرد حالة توتر حدودي، بل بات أقرب إلى منطقة عمليات مفتوحة، في ظل استمرار القصف، وعمليات التجريف، والتفجيرات التي تنفذها اسرائيل داخل عدد من القرى الحدودية، بما يعكس توجهاً عملياً لإعادة تشكيل ما يُشبه “منطقة عازلة” تمتد على حساب الوجود المدني والبنى التحتية، وسط انهيار شبه كامل لعودة السكان إلى عدد من البلدات المتضررة.
هذا الواقع يجعل الجنوب اللبناني اليوم في قلب خط نار مفتوح، حيث لا تزال القرى مهددة، والبيوت تُدمّر بشكل متقطع، فيما تتآكل الحياة المدنية تحت ضغط أمني مستمر، في غياب أي أفق واضح لوقف دائم لإطلاق النار. وهكذا، تتحول الهدنة القائمة إلى إطار هشّ لإدارة الصراع لا أكثر، بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات السياسية الإقليمية والدولية
في هذا السياق، يتبلور مسار تفاوضي يُتوقع أن يُستكمل في واشنطن يوم الخميس المقبل، عبر لقاء غير مباشر أو مباشر بين وفدين لبناني وإسرائيلي، في إطار يُطرح على أنه ترسيخ لحصرية التفاوض بيد الدولة اللبنانية، وفق ما أعلنه رئيس الجمهورية. هذا المسار، الذي يُتداول فيه اسم السفير اللبناني السابق سيمون كرم لقيادة الوفد، يُقدَّم كإطار سياسي – تقني لضبط التوتر الحدودي وإعادة تنظيم قواعد الاشتباك تحت سقف دولي.
لكن هذا التحرك لا يمكن فصله عن المسار الدولي الأوسع، حيث تتولى إسلام آباد فعلياً إدارة قناة التفاوض الأساسية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. هذا المسار لا يعمل كقناة ثانوية أو تجربة جانبية، بل كإطار تفاوضي قائم يهدف إلى ضبط التصعيد الإقليمي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ولو ضمن توازن هشّ وسقوف سياسية عالية. انعكاس هذا المسار يمتد تلقائياً إلى الساحة اللبنانية، باعتبارها إحدى أكثر الساحات ارتباطاً بالتوازن الإيراني الإقليمي.
داخلياً، يزداد المشهد تعقيداً مع التوتر الميداني جنوباً، في ظل استمرار القصف المتقطع على الخط الحدودي، بما يعيد تثبيت أن الوضع لا يزال أقرب إلى هدنة غير مستقرة منه إلى استقرار فعلي. الجنوب هنا ليس منطقة اشتباك فقط، بل مرآة للتوازن الإقليمي غير المكتمل.
وفي الداخل اللبناني، برز تطور لافت يتمثل في دعوة حزب الله لبيئته إلى العودة من مناطق النزوح، أي من الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، في إشارة إلى إعادة التموضع الاجتماعي في مناطق يُحتمل أن تتعرض مجدداً للاستهداف في حال توسّع التصعيد. هذه الدعوة لا تأتي في إطار سياسة دولة أو إدارة رسمية لملف النزوح، بل في سياق داخلي مرتبط بقراءة الحزب لمعادلة الأمن الميداني واحتمالات تطور الحرب، بما يعكس واقعاً موازياً لمنطق الدولة.
وفي هذا الإطار، جاء خطاب الأمين العام نعيم قاسم ليعيد تثبيت ثوابت سياسية وأمنية قائمة، مع تأكيد الاستعداد الدائم في مواجهة أي تطور ميداني، بما يرسّخ فكرة أن الجنوب ما زال جزءاً من معادلة اشتباك مفتوحة، لا من مرحلة ما بعد الحرب.
سياسياً، يتكثف النقاش حول موقع لبنان في هذه المعادلة المعقدة. فبين مسار تفاوضي يُدار باسمه في الخارج، ومسار إقليمي تُحدده تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران عبر قناة إسلام آباد، ومسار داخلي تتحكم فيه وقائع القوة على الأرض، يبدو أن الدولة اللبنانية تتحرك ضمن هامش ضيق في معادلة أكبر منها.
الأخطر في هذا المشهد أن لبنان يبدو في نظر كثيرين جزءاً من منظومة إقليمية أوسع ترتبط بقرار طهران وموازينها الاستراتيجية، ما يجعل أي استقرار داخلي مرهوناً بتفاهمات لا تُصاغ في بيروت. وهنا يتحول السؤال من إدارة الأزمة إلى جوهرها: هل يملك لبنان فعلاً القدرة على إنتاج قراره، أم أنه يتحرك ضمن مسار مرسوم مسبقاً خارج حدوده؟
في المحصلة، يقف لبنان اليوم في لحظة تعليق طويلة: دولة تفاوض باسمها قوى خارجية، مسار إقليمي يُدار من إسلام آباد بين طهران وواشنطن، وجبهة جنوبية لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة، وداخل منقسم بين منطق الدولة ومنطق القوة الفعلية.
وبين هذه الطبقات المتراكبة، يبقى لبنان معلقاً… لا هو خارج الحرب تماماً، ولا داخل السلام، بل في منطقة رمادية تُكتب فيها القرارات خارج حدوده، وتُختبر نتائجها داخله.

كتبت جنان شعيب:لبنان على حافة التعليق… دولة تفاوض فوق النار وحدود تُرسم في الخارج
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتبت جنان شعيب:لبنان على حافة التعليق… دولة تفاوض فوق النار وحدود تُرسم في الخارج
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
لبنان على حافة التعليق… دولة تفاوض فوق النار وحدود تُرسم في الخارج
يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الدقة، تتقاطع فيها التطورات الميدانية في الجنوب مع مسارات تفاوض دولية وإقليمية متسارعة، في ظل هدنة هشة لا تزال تفتقر إلى ضمانات ثابتة. فالمشهد الجنوبي لم يعد مجرد حالة توتر حدودي، بل بات أقرب إلى منطقة عمليات مفتوحة، في ظل استمرار القصف، وعمليات التجريف، والتفجيرات التي تنفذها اسرائيل داخل عدد من القرى الحدودية، بما يعكس توجهاً عملياً لإعادة تشكيل ما يُشبه “منطقة عازلة” تمتد على حساب الوجود المدني والبنى التحتية، وسط انهيار شبه كامل لعودة السكان إلى عدد من البلدات المتضررة.
هذا الواقع يجعل الجنوب اللبناني اليوم في قلب خط نار مفتوح، حيث لا تزال القرى مهددة، والبيوت تُدمّر بشكل متقطع، فيما تتآكل الحياة المدنية تحت ضغط أمني مستمر، في غياب أي أفق واضح لوقف دائم لإطلاق النار. وهكذا، تتحول الهدنة القائمة إلى إطار هشّ لإدارة الصراع لا أكثر، بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات السياسية الإقليمية والدولية
في هذا السياق، يتبلور مسار تفاوضي يُتوقع أن يُستكمل في واشنطن يوم الخميس المقبل، عبر لقاء غير مباشر أو مباشر بين وفدين لبناني وإسرائيلي، في إطار يُطرح على أنه ترسيخ لحصرية التفاوض بيد الدولة اللبنانية، وفق ما أعلنه رئيس الجمهورية. هذا المسار، الذي يُتداول فيه اسم السفير اللبناني السابق سيمون كرم لقيادة الوفد، يُقدَّم كإطار سياسي – تقني لضبط التوتر الحدودي وإعادة تنظيم قواعد الاشتباك تحت سقف دولي.
لكن هذا التحرك لا يمكن فصله عن المسار الدولي الأوسع، حيث تتولى إسلام آباد فعلياً إدارة قناة التفاوض الأساسية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. هذا المسار لا يعمل كقناة ثانوية أو تجربة جانبية، بل كإطار تفاوضي قائم يهدف إلى ضبط التصعيد الإقليمي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ولو ضمن توازن هشّ وسقوف سياسية عالية. انعكاس هذا المسار يمتد تلقائياً إلى الساحة اللبنانية، باعتبارها إحدى أكثر الساحات ارتباطاً بالتوازن الإيراني الإقليمي.
داخلياً، يزداد المشهد تعقيداً مع التوتر الميداني جنوباً، في ظل استمرار القصف المتقطع على الخط الحدودي، بما يعيد تثبيت أن الوضع لا يزال أقرب إلى هدنة غير مستقرة منه إلى استقرار فعلي. الجنوب هنا ليس منطقة اشتباك فقط، بل مرآة للتوازن الإقليمي غير المكتمل.
وفي الداخل اللبناني، برز تطور لافت يتمثل في دعوة حزب الله لبيئته إلى العودة من مناطق النزوح، أي من الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، في إشارة إلى إعادة التموضع الاجتماعي في مناطق يُحتمل أن تتعرض مجدداً للاستهداف في حال توسّع التصعيد. هذه الدعوة لا تأتي في إطار سياسة دولة أو إدارة رسمية لملف النزوح، بل في سياق داخلي مرتبط بقراءة الحزب لمعادلة الأمن الميداني واحتمالات تطور الحرب، بما يعكس واقعاً موازياً لمنطق الدولة.
وفي هذا الإطار، جاء خطاب الأمين العام نعيم قاسم ليعيد تثبيت ثوابت سياسية وأمنية قائمة، مع تأكيد الاستعداد الدائم في مواجهة أي تطور ميداني، بما يرسّخ فكرة أن الجنوب ما زال جزءاً من معادلة اشتباك مفتوحة، لا من مرحلة ما بعد الحرب.
سياسياً، يتكثف النقاش حول موقع لبنان في هذه المعادلة المعقدة. فبين مسار تفاوضي يُدار باسمه في الخارج، ومسار إقليمي تُحدده تفاهمات كبرى بين واشنطن وطهران عبر قناة إسلام آباد، ومسار داخلي تتحكم فيه وقائع القوة على الأرض، يبدو أن الدولة اللبنانية تتحرك ضمن هامش ضيق في معادلة أكبر منها.
الأخطر في هذا المشهد أن لبنان يبدو في نظر كثيرين جزءاً من منظومة إقليمية أوسع ترتبط بقرار طهران وموازينها الاستراتيجية، ما يجعل أي استقرار داخلي مرهوناً بتفاهمات لا تُصاغ في بيروت. وهنا يتحول السؤال من إدارة الأزمة إلى جوهرها: هل يملك لبنان فعلاً القدرة على إنتاج قراره، أم أنه يتحرك ضمن مسار مرسوم مسبقاً خارج حدوده؟
في المحصلة، يقف لبنان اليوم في لحظة تعليق طويلة: دولة تفاوض باسمها قوى خارجية، مسار إقليمي يُدار من إسلام آباد بين طهران وواشنطن، وجبهة جنوبية لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة، وداخل منقسم بين منطق الدولة ومنطق القوة الفعلية.
وبين هذه الطبقات المتراكبة، يبقى لبنان معلقاً… لا هو خارج الحرب تماماً، ولا داخل السلام، بل في منطقة رمادية تُكتب فيها القرارات خارج حدوده، وتُختبر نتائجها داخله.











