المسألة ليست عصام دقماق وحده.
المسألة أن الرجل اختصر، خلال دقائق، وجهاً كاملاً من وجوه منطق الميليشيا: حين تسقط الحجة، ترتفع اليد. وحين يعجز الكلام، تبدأ الشتيمة.
دقماق أراد أن يصل إلى رئيس الحكومة نواف سلام ليضربه.
ليس ليناقشه. ليس ليعترض عليه. ليس ليواجهه بموقف.
ليضربه.
وهنا لا يعود السؤال ماذا قال نواف سلام أو ماذا فعل.
السؤال أبسط بكثير: من أنت لتضرب رئيس الحكومة؟
لكن ربما لم يكن المشهد غريباً إلى هذا الحد.
فهذه هي اللغة التي أُتقنت طويلاً في بيئة سياسية صنعتها ثقافة السلاح: تخوين للخصم، شتيمة للمختلف، هتك للكرامات والأعراض عند الخصومة، ثم تهديد بالقوة عندما تنتهي الكلمات.
قبل “السحسوح” وبعد “السحسوح”.
هذا هو القاموس.
لا حاجة إلى حجة سياسية. لا حاجة إلى برنامج. ولا حتى إلى القدرة على الرد.
يكفي أن تصرخ أعلى، وتشتم أكثر، وتهدد أكثر، ثم تلوّح بيدك عندما تعجز عن قول شيء آخر.
وعصام دقماق هنا ليس قصة استثنائية.
هو صورة مكثفة لهذا المنطق.
منطق يريد أن يقنع اللبنانيين بأن السلاح يصنع الهيبة، ثم ينتهي عند أول مواجهة سياسية برجل يركض خلف موكب رئيس الحكومة ليضربه.
هذه هي الهيبة؟
رئيس حكومة يدخل مدينة لبنانية، وفي المقابل يخرج من يعتبر أن الرد السياسي المناسب هو القبضة.
الدولة تدخل من الباب.
ومنطق الميليشيا يلوّح بيده في الشارع.
ولا، لسنا نطالب أصحاب هذا المنطق بحوار رومانسي ولا بورود وكلمات منمقة.
أنتم هكذا قدمتم أنفسكم مراراً: المختلف خائن، والناقد عميل، والخصم مستباح الكرامة، وعندما لا تكفي الشتيمة يحضر التهديد.
لكن المشكلة أن أهل الجنوب هم الذين دفعوا ويدفعون ثمن هذه المعادلة.
قرى مدمرة، أهل مهجرون، وخسائر وحروب لم يكن المواطن الجنوبي العادي هو من يقرر توقيتها أو نهايتها.
ثم يأتي عصام دقماق، بكل هذا الغضب، ليصبّه على نواف سلام.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
أين كانت هذه القبضة عندما كان الجنوب يُجرّ من حرب إلى أخرى؟
أين كان هذا الغضب عندما أصبح الجنوبي ينتظر حرباً لا يقررها ونتيجة يتحملها؟
لماذا تصبح اليد جاهزة عندما يكون أمامكم رئيس حكومة لبناني؟
ولماذا لا يظهر الغضب نفسه عندما يكون السؤال عن السلاح والقرارات التي دفعت الجنوب إلى كل هذا الخراب؟
عصام دقماق لم يُحرج نواف سلام.
هو كشف مستوى الخطاب الذي يريد مواجهته.
كشف ماذا يبقى عندما تُسحب الشعارات الكبيرة ولا يبقى سوى الصراخ والشتيمة والتهديد.
لذلك، قبل أن ترفع يدك على دولة الرئيس نواف سلام، اسأل أولاً أين كان يجب أن يتجه غضبك طوال السنوات الماضية.
ارفع صوتك في وجه من حمّل أهل الجنوب نتائج قرارات لم يشاركوهم في اتخاذها، ومن تركهم أمام الخراب والنزوح والخسارة.
هناك تصبح المواجهة السياسية جدية.
أما التهديد بضرب رئيس حكومة بلادك، فليس موقفاً سياسياً.
إنه أفضل إعلان ممكن عن عجز صاحبه عن امتلاك موقف آخر.












