في ذكرى ضرب العامود… من إسناد غزة إلى إسناد إيران، ولبنان يدفع الفاتورة!
في 8 تشرين الأول 2023، لم يدخل لبنان حرباً دفاعاً عن أرضه، ولم تكن المعركة لتحرير قرية لبنانية محتلة، ولم يكن القرار صادراً عن دولة قررت الدفاع عن حدودها. ببساطة، اتُّخذ القرار خارج المؤسسات، وفُتحت الجبهة تحت عنوان “إسناد غزة”، وبدأ كل شيء بما يمكن اختصاره اليوم بسخرية موجعة: ضربنا العامود، فدخل البلد الحرب.
منذ تلك اللحظة، بُنيت رواية كاملة حول “جبهة الإسناد”. قيل إن الجنوب يضغط عن غزة، وإن الصواريخ تربك إسرائيل، وإن الطريق من الحدود اللبنانية قد يقود يوماً إلى القدس. بعد ثلاث سنوات، يحق للبنانيين أن يسألوا: ماذا أسندنا فعلاً؟ هل توقفت الحرب على غزة؟ هل تغيّر مصيرها بسبب جبهة الجنوب؟ هل تحررت القدس؟ هل عاد فلسطيني إلى أرضه؟ أم أن غزة بقيت تحت النار، فيما انتقلت النار إلى لبنان أيضاً؟
النتيجة لم تكن تحريراً، بل خراباً إضافياً. قرى جنوبية مدمّرة، آلاف المهجّرين، اقتصاد منهك، اغتيالات وحرب واحتلال جديد، وواقع جعل بعض أبناء الجنوب عاجزين عن العودة بحرية إلى أراضيهم وبلداتهم. المفارقة أن السلاح الذي قيل طويلاً إنه موجود لمنع الاحتلال انتهى استخدامه إلى توسيع رقعة الأرض التي باتت تحت الاحتلال أو تحت واقع أمني يمنع أهلها من العودة إليها.
قالوا إنهم فتحوا “طريق القدس”، لكن الطريق الوحيد الذي فُتح أمام اللبنانيين كان طريق النزوح. قالوا إن الجبهة تحمي غزة، فلم تُحمَ غزة ولم يُحمَ لبنان. وقالوا إنهم يردعون إسرائيل، فإذا بإسرائيل تدخل أعمق إلى الجنوب، ويُطلب من اللبنانيين بعدها انتظار المفاوضات والضمانات والوساطات كي يستعيدوا ما كان يفترض أن يكون السلاح قد وُجد أساساً لحمايته.
المشكلة هنا ليست في صاروخ أصاب هدفاً أو لم يصبه. المشكلة في المغالطة نفسها: أن تعتبر جماعة مسلحة أن من حقها إدخال دولة كاملة في حرب لأنها قررت أن قضية ما تستوجب “الإسناد”، ثم تطلب من الناس بعد الخراب أن يعتبروا ما حصل نصراً. لا أحد سأل الجنوبي إن كان يريد أن يخسر منزله كي يثبت أحدهم “وحدة الساحات”، ولا أحد استشار اللبنانيين إن كانوا مستعدين لأن تتحول بلادهم إلى جبهة مفتوحة باسم قرار لم يصدر عن دولتهم.
ثم جاءت الحرب الثانية لتعرّي الفكرة أكثر. في 2026 أُطلقت الصواريخ من جديد، هذه المرة تحت عنوان الانتقام لمقتل علي خامنئي. وهنا يصبح السؤال أبسط وأقسى: إذا كان هذا السلاح لبنانياً ومهمته الدفاع عن لبنان، فكيف يصبح لبنان مستعداً للدخول في حرب لأن رأس النظام الإيراني قُتل؟
ستة صواريخ من أجل خامنئي كانت كافية لإعادة البلد إلى النار. وهنا لا يمكن إلا أن نسأل بسخرية مريرة: يا ريت حرب من هالحروب كانت كرمال لبنان. يا ريت ستة صواريخ أُطلقت يوماً لأن أرضاً لبنانية محتلة يجب أن تعود. يا ريت كل هذه الحماسة استُنفرت من أجل القرى الخمس المحتلة أو من أجل منع اقتطاع شبر من الجنوب. لكن حين تكون القضية لبنانية، يصبح الخطاب مليئاً بالصبر والحسابات و“التوقيت المناسب”. وحين تكون القضية إيرانية، يصبح لبنان فجأة جاهزاً للحرب.
هذه هي الخلاصة التي لا يريد حزب الله مواجهتها: في 2023 دخل لبنان الحرب باسم غزة، وفي 2026 عاد إلى النار باسم إيران. وفي المرتين، كان لبنان هو ساحة إطلاق الصواريخ، وهو أيضاً ساحة تلقّي الردود، فيما بقيت مصالحه وأرضه وناسه في آخر سلّم الأولويات.
والأفدح أن الحزب لا يزال يريد من اللبنانيين مناقشة “النية” بدل النتيجة. يريد منهم أن يصدّقوا أن كل هذا الخراب كان ضرورة، وأن كل هذا التهجير كان ثمناً طبيعياً، وأن كل أرض خسرناها يمكن تعويضها بخطاب عن “الإنجاز”. لكن الدول لا تُقاس بالنوايا، والحروب لا تُقاس بعدد البيانات. تُقاس بما حُرّر وما حُمي وما بقي للناس في النهاية. وهنا، الحصيلة أمامنا ولا تحتاج إلى خطيب يشرحها.
“وحدة الساحات” لم توحّد شيئاً إلا الخراب. غزة دُمّرت، الجنوب دُمّر، والناس هُجّرت، فيما إيران بقيت تفاوض وتحسب مصالحها وتدير أوراقها. وكلما احتاج المحور إلى رسالة، كانت الأرض اللبنانية جاهزة كي تتحول إلى صندوق بريد.
ثلاث سنوات على “ضرب العامود”، تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى. لم نقترب من القدس، ولم نحرر فلسطين، ولم نستعد أرضاً لبنانية. بالعكس، خسرنا مزيداً من الأمان والأرض والبيوت، وصار الجنوبي ينتظر تسوية كي يعود إلى مكان كان يفترض أن يكون آمناً داخل وطنه.
وهكذا، من “إسناد غزة” إلى “الانتقام لخامنئي”، بقيت المعادلة واحدة: حزب الله يختار الحرب، إيران تختار عنوانها، إسرائيل تختار حجم الرد، واللبناني وحده لا يختار شيئاً. لا يختار موعد الحرب، ولا نهايتها، ولا حجم الخسارة. وفي النهاية، لا يبقى له إلا أن يختار إلى أين ينزح.
ضربوا العامود… فسقط السقف فوق رأس لبنان.












