لبنان بعد الهدنة: استنزاف يُباع كنصر
لا يُقاس النصر بارتفاع السقوف الخطابية، ولا بكثافة البيانات، بل بما يبقى من وطن بعد أن يسكت صوت النار. وفي الحالة اللبنانية اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: هدنة قائمة على الركام؛ اتفاق يُسوَّق، لكن بلا سيادة كاملة؛ وبلد يخرج من جولة جديدة مثقلاً بالخسائر، فيما يرتفع خطاب القوة كأن شيئاً لم يتغيّر.
وعلى هذا الهامش، جاء وقف إطلاق النار الذي أُعلن صباحاً بعد مسار تصعيدي في جبهة لبنان، ما فتح الباب أمام تهدئة تداخلت فيها الضغوط الميدانية مع تحرّك دبلوماسي تقوده الولايات المتحدة لاحتواء اتساع الجبهة الشمالية ومنع انفلاتها، بالتوازي مع اعتبارات عسكرية إسرائيلية مرتبطة بإعادة التموضع وتخفيف الضغط على أكثر من ساحة، ليأتي الاتفاق كصيغة مؤقتة لتجميد التصعيد وإعادة ترتيب الوقائع بانتظار مسار المفاوضات.
وخلال هذا المسار، لعبت خيارات حزب الله دوراً محورياً في ربط الداخل اللبناني بساحات إقليمية مفتوحة، ما جعل كلفة أي تصعيد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتنعكس على الاقتصاد والاستقرار السياسي وموقع الدولة في المعادلات الدولية.
وبذلك، يتراجع هامش القرار الوطني تدريجياً، فيما تتسع دائرة الأزمات. فالهدنة التي تُطرح اليوم ليست سوى محطة مؤقتة في دورة استنزاف مستمرة، لا تنفصل عن جذورها، ولا تُفهم خارج سياقها التراكمي، حيث تتبدّل الأدوات، لكن تبقى النتيجة واحدة: بلد يعيش على إيقاع إدارة الأزمة لا حلّها.
دخل حزب الله المواجهة الأخيرة تحت عنوان “وحدة الساحات”، وهي معادلة ربطت لبنان مباشرة بمسار إقليمي واسع. لكن النتيجة الفعلية لم تكن توسيع دائرة القوة، بل توسيع دائرة المخاطر. فلبنان الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي غير مسبوق وجد نفسه أمام جبهة مفتوحة، وضغط دولي متزايد، ومخاوف داخلية من انزلاق شامل.
اليوم، ومع إعلان الهدنة، يظهر بوضوح أن ما تحقق ليس تسوية نهائية، بل وقف هش لإطلاق النار. الجنوب لا يزال تحت التهديد، والحدود مفتوحة على احتمالات التصعيد، والدولة اللبنانية لم تستعد قرارها السيادي الكامل. أما الاقتصاد، فبقي رهينة التوتر، مع استمرار الشلل في قطاعات أساسية وتراجع إضافي في الثقة الداخلية والخارجية.
المفارقة أن الخطاب السياسي الذي يواكب هذه المرحلة لا يعكس حجم الواقع. إذ يجري الحديث عن صمود وانتصار، بينما المؤشرات الفعلية تشير إلى استنزاف طويل. فالصمود الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار، لا بمجرد تجنّب الانفجار الكامل. والانتصار يُقاس باستعادة القرار الوطني، لا بمجرد وقف مؤقت للنار.
سياسياً، تعكس هذه الهدنة أيضاً حدود المعادلة القائمة. فربط لبنان بساحات إقليمية أوسع جعل القرار الداخلي أكثر تعقيداً، وأدخل البلد في حسابات لا يملك أدوات التأثير فيها. ومع كل جولة، تتآكل قدرة الدولة، ويتعمق الانقسام الداخلي، ويزداد القلق من مستقبل مفتوح على عدم اليقين.
أما واقعياً، فالصورة أكثر قسوة: بلد يرزح تحت أزمة اقتصادية خانقة، مؤسسات تعاني من الشلل، ومجتمع يعيش حالة إنهاك مستمرة. وفي ظل هذه الظروف، تبدو أي مغامرة جديدة أكثر خطورة، وأي هدنة أكثر هشاشة.
في المحصلة، لا تبدو الهدنة الحالية نهاية لمسار التصعيد، بل انعكاساً لحدود القوة وعمق الاستنزاف. وما بين خطاب الانتصار وواقع الإنهاك، يبقى لبنان عالقاً في معادلة لم يخترها، لكنه يدفع كلفتها كاملة. فحين يتحول وقف إطلاق النار إلى إنجاز بحد ذاته، وحين يصبح تجنّب الانفجار نصراً، ندرك أن الدولة لم تخرج من الأزمة بعد، بل دخلت مرحلة أكثر هشاشة، حيث الهدوء مؤقت، والاستقرار معلّق، والمستقبل مفتوح على احتمالات لا تزال أكثر قلقاً من الطمأنينة.
لبنان بعد الهدنة: استنزاف يُباع كنصر
لا يُقاس النصر بارتفاع السقوف الخطابية، ولا بكثافة البيانات، بل بما يبقى من وطن بعد أن يسكت صوت النار. وفي الحالة اللبنانية اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: هدنة قائمة على الركام؛ اتفاق يُسوَّق، لكن بلا سيادة كاملة؛ وبلد يخرج من جولة جديدة مثقلاً بالخسائر، فيما يرتفع خطاب القوة كأن شيئاً لم يتغيّر.
وعلى هذا الهامش، جاء وقف إطلاق النار الذي أُعلن صباحاً بعد مسار تصعيدي في جبهة لبنان، ما فتح الباب أمام تهدئة تداخلت فيها الضغوط الميدانية مع تحرّك دبلوماسي تقوده الولايات المتحدة لاحتواء اتساع الجبهة الشمالية ومنع انفلاتها، بالتوازي مع اعتبارات عسكرية إسرائيلية مرتبطة بإعادة التموضع وتخفيف الضغط على أكثر من ساحة، ليأتي الاتفاق كصيغة مؤقتة لتجميد التصعيد وإعادة ترتيب الوقائع بانتظار مسار المفاوضات.
وخلال هذا المسار، لعبت خيارات حزب الله دوراً محورياً في ربط الداخل اللبناني بساحات إقليمية مفتوحة، ما جعل كلفة أي تصعيد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، لتنعكس على الاقتصاد والاستقرار السياسي وموقع الدولة في المعادلات الدولية.
وبذلك، يتراجع هامش القرار الوطني تدريجياً، فيما تتسع دائرة الأزمات. فالهدنة التي تُطرح اليوم ليست سوى محطة مؤقتة في دورة استنزاف مستمرة، لا تنفصل عن جذورها، ولا تُفهم خارج سياقها التراكمي، حيث تتبدّل الأدوات، لكن تبقى النتيجة واحدة: بلد يعيش على إيقاع إدارة الأزمة لا حلّها.
دخل حزب الله المواجهة الأخيرة تحت عنوان “وحدة الساحات”، وهي معادلة ربطت لبنان مباشرة بمسار إقليمي واسع. لكن النتيجة الفعلية لم تكن توسيع دائرة القوة، بل توسيع دائرة المخاطر. فلبنان الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي غير مسبوق وجد نفسه أمام جبهة مفتوحة، وضغط دولي متزايد، ومخاوف داخلية من انزلاق شامل.
اليوم، ومع إعلان الهدنة، يظهر بوضوح أن ما تحقق ليس تسوية نهائية، بل وقف هش لإطلاق النار. الجنوب لا يزال تحت التهديد، والحدود مفتوحة على احتمالات التصعيد، والدولة اللبنانية لم تستعد قرارها السيادي الكامل. أما الاقتصاد، فبقي رهينة التوتر، مع استمرار الشلل في قطاعات أساسية وتراجع إضافي في الثقة الداخلية والخارجية.
المفارقة أن الخطاب السياسي الذي يواكب هذه المرحلة لا يعكس حجم الواقع. إذ يجري الحديث عن صمود وانتصار، بينما المؤشرات الفعلية تشير إلى استنزاف طويل. فالصمود الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار، لا بمجرد تجنّب الانفجار الكامل. والانتصار يُقاس باستعادة القرار الوطني، لا بمجرد وقف مؤقت للنار.
سياسياً، تعكس هذه الهدنة أيضاً حدود المعادلة القائمة. فربط لبنان بساحات إقليمية أوسع جعل القرار الداخلي أكثر تعقيداً، وأدخل البلد في حسابات لا يملك أدوات التأثير فيها. ومع كل جولة، تتآكل قدرة الدولة، ويتعمق الانقسام الداخلي، ويزداد القلق من مستقبل مفتوح على عدم اليقين.
أما واقعياً، فالصورة أكثر قسوة: بلد يرزح تحت أزمة اقتصادية خانقة، مؤسسات تعاني من الشلل، ومجتمع يعيش حالة إنهاك مستمرة. وفي ظل هذه الظروف، تبدو أي مغامرة جديدة أكثر خطورة، وأي هدنة أكثر هشاشة.
في المحصلة، لا تبدو الهدنة الحالية نهاية لمسار التصعيد، بل انعكاساً لحدود القوة وعمق الاستنزاف. وما بين خطاب الانتصار وواقع الإنهاك، يبقى لبنان عالقاً في معادلة لم يخترها، لكنه يدفع كلفتها كاملة. فحين يتحول وقف إطلاق النار إلى إنجاز بحد ذاته، وحين يصبح تجنّب الانفجار نصراً، ندرك أن الدولة لم تخرج من الأزمة بعد، بل دخلت مرحلة أكثر هشاشة، حيث الهدوء مؤقت، والاستقرار معلّق، والمستقبل مفتوح على احتمالات لا تزال أكثر قلقاً من الطمأنينة.












