نصف طن من المتفجرات. 250 كيلوغراماً من الـTNT، ومثلها من الـC4، وشخصان تقول المعلومات الأمنية إنهما ينتميان إلى حزب الله.
في بلد طبيعي، يكفي هذا الخبر وحده لإحداث زلزال سياسي وأمني.
أما في لبنان، فالسؤال الأكثر مرارة هو: مواد متفجرة وميليشيا حزب الله… ما الجديد؟!
الجديد ربما أن الشحنة توقفت هذه المرة.
أما وجود السلاح والمتفجرات خارج يد الدولة، وانتقالها على الأراضي اللبنانية بعيداً عن قرار المؤسسات الشرعية، فهذه قصة يعرفها اللبنانيون منذ عقود، ودفعوا أثمانها دماً وخوفاً واغتيالات وانفجارات وحروباً.
ومن يريد أن يفصل شحنة ضهر البيدر عن ذاكرة اللبنانيين، يطلب منهم عملياً أن يصابوا بفقدان الذاكرة.
كيف يمكن للبناني أن يسمع عن مئات الكيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار، وعن احتمال يجري التحقيق فيه يتعلق بعملية اغتيال كبيرة، ولا تعود به الذاكرة إلى مرحلة كان فيها الاغتيال السياسي جزءاً من يوميات البلد؟
من رفيق الحريري، إلى سمير قصير وجبران تويني، مروراً بسلسلة طويلة من السياسيين والصحافيين والشخصيات الأمنية التي استُهدفت في مرحلة ما بعد عام 2005، عاش لبنان سنوات كان فيها الاختلاف السياسي أحياناً يُدفع ثمنه بالدم.
وفي قضية رفيق الحريري تحديداً، انتهى المسار القضائي الدولي إلى إدانة عناصر من حزب الله غيابياً.
أما بقية الاغتيالات، فلا يجوز اختصار ملفاتها بأحكام لم تصدر. لكن لا يمكن أيضاً مطالبة اللبنانيين بأن يمحوا من ذاكرتهم المناخ الأمني الذي عاشوه: معارضون تحت الحماية، سياسيون يغيّرون طرق تنقلهم، صحافيون يخشون السيارات المفخخة، وبلد كامل يتساءل في كل مرة: من التالي؟
واليوم، عندما يُضبط هذا الحجم من المتفجرات، يعود السؤال نفسه.
إلى أين كانت ذاهبة؟ ولمن؟ ولماذا؟
وإذا كان الحديث الأمني يدور حول احتمال التحضير لاغتيال كبير، فمن حق اللبنانيين هذه المرة ألا يقبلوا بجملة “التحقيقات مستمرة” ثم يُطوى الملف بعد أسابيع.
نريد الأسماء.
نريد مصدر المتفجرات.
نريد وجهتها.
نريد صاحب الأمر.
ونريد أن نعرف إن كانت هذه الشحنة استثناءً… أم أن الاستثناء الوحيد هو أنها ضُبطت.
ثم هناك المرفأ.
لا، انفجار مرفأ بيروت ليس ملفاً يمكن إلصاقه بحزب الله بعبارة صحافية ومن دون حكم قضائي. لكن المرفأ يجب أن يكون حاضراً في هذا النقاش لسبب أبسط وأخطر: لأن اللبنانيين يعرفون جيداً ماذا يعني أن تبقى مواد متفجرة بكميات هائلة خارج رقابة فعلية لسنوات.
في 4 آب 2020، انفجرت مئات الأطنان من نيترات الأمونيوم المخزنة في المرفأ، فقُتل أكثر من مئتي شخص ودُمرت أجزاء واسعة من بيروت.
وبعد هذه الكارثة، لم يعد مقبولاً أن يسمع اللبناني عبارة “مواد متفجرة” ثم يُطلب منه ألا يسأل.
من أدخلها؟
من يملكها؟
من نقلها؟
من يحمي مسارها؟
ومن قرر أن وجودها خارج مخازن الجيش والأجهزة الشرعية أمر يمكن التعايش معه؟
هذه ليست أسئلة تحريضية. هذه أبسط أسئلة أي دولة تحترم نفسها.
وحزب الله يريد منذ سنوات أن يقنع اللبنانيين بمعادلة عجيبة: أن امتلاكه ترسانة مستقلة عن الجيش أمر طبيعي، وأن بنيته الأمنية المستقلة أمر طبيعي، وأن شبكة اتصالاته أمر طبيعي، وأن قراره بالحرب والسلم يمكن أن يكون مستقلاً، ثم عندما تظهر قضية أمنية مرتبطة بأشخاص من بيئته التنظيمية، يصبح السؤال عن الحزب “استهدافاً للمقاومة”.
لا.
الاستهداف الحقيقي للدولة هو أن تكون هناك جهة تملك من القوة والسلاح والقدرة الأمنية ما لا تملكه مؤسساتها، ثم تطلب منها أن تتصرف وكأنها صاحبة السيادة.
وإذا كانت الدولة جادة فعلاً في استعادة قرارها الأمني، فهذا الملف يجب ألا ينتهي عند ناقلَين أو اسمَين صغيرَين.
هذه المرة، المطلوب الوصول إلى النهاية.
لا نريد نهاية لبنانية تقليدية.
لا نريد موقوفين صغيرين وينتهي الأمر عندهما.
ولا نريد أن يضيع الملف بين السياسة والطوائف وعبارة “السلم الأهلي”.
لأن نصف طن من الـTNT والـC4 ليس خلافاً سياسياً.
ولأن احتمال الاغتيال ليس تفصيلاً.
ولأن اللبنانيين سبق أن دفنوا رؤساء حكومات ونواباً وصحافيين وضباطاً نتيجة مرحلة كان فيها القتل السياسي أقوى من الدولة.
وسبق أن شاهدوا عاصمتهم تنفجر لأن مواد قاتلة بقيت سنوات في قلبها.
وسبق أن سمعوا بعد كل كارثة الوعود نفسها: سنحقق، سنحاسب، وستظهر الحقيقة.
لهذا، عندما تجتمع اليوم كلمتا “متفجرات” و“حزب الله” في ملف أمني واحد، لا يملك اللبناني ترف السذاجة.
ليس المطلوب إصدار الحكم قبل القضاء.
المطلوب منع دفن الحقيقة بعد القضاء.
لأن السؤال لم يعد فقط: لمن كانت هذه المتفجرات؟
السؤال الأكبر هو:
كم مرة عبرت المتفجرات ولم يكن هناك حاجز؟
وكم مرة مرّ الموت… ولم يُضبط؟












