القوانين تطبّق لحماية الناس أم على حساب كرامتهم؟
ما جرى أمس في بيروت، بمنطقة ساقية الجنزير، يتجاوز كونه عملية توقيف شخص مخالف للقانون أو لتسعيرة الدولة، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلّق بعلاقة الدولة بمواطنيها، وحدود استخدام القوة، واحترام الكرامة الإنسانية أثناء تنفيذ القانون.
ففي الدول التي تقوم "على المؤسسات"، مبدئيًا، لا يُقاس حضور الدولة فقط بقدرتها على الملاحقة والتوقيف، انّما بالطريقة التي تمارس فيها سلطتها. إذ إن إنفاذ القانون لا يعني الإهانة، ولا يسمح بتحويل المشتبه به إلى هدف للعنف، مهما كانت طبيعة المخالفة المنسوبة إليه.
وفي حديث مع محامية فضّلت عدم الكشف عن اسمها، قالت إن "ما حصل لا يمكن تبريره قانونياً"، مضيفة: "حتى لو كان الشخص تاجراً للمخدرات أو السلاح، لا يحق للعناصر الأمنية التعامل بهذه الوحشية مع أي متهم".
وما حدث أعاد إلى الواجهة مشهداً يتكرر منذ سنوات في لبنان: استخدام العنف كأداة لضبط الشارع، أو تفريق احتجاج، أو تنفيذ توقيف، في ظل غياب المساءلة الحقيقية وتكرار الشكاوى من تجاوزات الأجهزة الأمنية.
ماذا حصل فعليًا؟
شهدت منطقة ساقية الجنزير إشكالاً بين عناصر من المديرية العامة لأمن الدولة من جهة، وأحد أصحاب المولدات الكهربائية المعروف باسم أبو علي عيتاني، إلى جانب عدد من أبناء المنطقة، من جهة أخرى.
وتحوّل الإشكال سريعاً إلى توتر واسع في العاصمة، حيث أُقفلت طرقات عدة في فردان وكورنيش المزرعة وقصقص وغيرها، تضامناً مع عيتاني واحتجاجاً على طريقة التعاطي الأمني.
وبحسب ما تم تداوله، بدأت الحادثة بعد رفض عيتاني الانصياع لطلب أحد الضباط خفض التسعيرة، قبل أن تتطور المواجهة إلى اشتباك مع شبان من المنطقة، تخلله إطلاق نار في الهواء.
من جهتها، أوضحت المديرية العامة لأمن الدولة أن الدورية كانت تنفذ إشارة قضائية صادرة عن النيابة العامة المالية لإحضار صاحب مولد متخلف عن الحضور لاستكمال الإجراءات القضائية، إلا أن عدداً من المواطنين اعترضوا الدورية ومنعوها من تنفيذ مهمتها، ما دفع بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، مؤكدة عدم وقوع إصابات، وأن التحقيق يجري بإشراف النيابة العامة العسكرية.
الحادثة دفعت رئيس الحكومة نواف سلام إلى إصدار موقف حازم، اعتبر فيه أن ما حصل من أعمال عنف وإطلاق نار وإرعاب للمواطنين تصرفات غير مقبولة أياً تكن الذرائع، مؤكداً إعطاء أوامر بإجراء تحقيقات فورية واتخاذ الإجراءات المسلكية والقضائية بحق المرتكبين.
كما شهدت بيروت تحركات تضامنية واسعة، فيما دخلت مرجعيات سياسية ودينية وإعلامية على خط الأزمة، مطالبة بمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار ما جرى. وباشر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم التحقيق مع خمسة عناصر من أمن الدولة، فيما أُخلي سبيل عيتاني.
26 حزيران 2013 – ماذا قالت هيومن رايتس ووتش؟
الحادثة أعادت التذكير بما كانت قد وثقته هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2013، تحدث عن إساءة معاملة وتعذيب فئات مستضعفة داخل مخافر الشرطة اللبنانية.
التقرير، الذي استند إلى أكثر من خمسين مقابلة مع محتجزين سابقين، أشار إلى تعرض موقوفين للضرب، والإهانة، والحرمان من الطعام أو العلاج، والضغط النفسي، واستخدام العنف لانتزاع اعترافات. كما وثّق حالات عنف جنسي بحق نساء موقوفات، إضافة إلى غياب فعّال لآليات الشكوى والمحاسبة.
واعتبرت المنظمة أن المشكلة لا تقتصر على تجاوزات فردية، بل ترتبط بثقافة الإفلات من العقاب، وضعف الرقابة الداخلية، واعتماد القضاء أحياناً على الاعترافات المنتزعة بالإكراه.
ورغم الإصلاحات الشكلية التي أُعلنت آنذاك، شددت المنظمة على أن احترام الحقوق لا يُقاس بالنصوص، بل بالممارسة اليومية داخل مراكز الاحتجاز وخلال تنفيذ التوقيفات.
ماذا تقول منظمة العفو الدولية؟
تؤكد منظمة العفو الدولية أن استخدام القوة من قبل الشرطة يجب أن يخضع لمبادئ واضحة وثابتة، أبرزها الشرعية، والضرورة، والتناسب، وعدم التمييز، والمساءلة.
فالشرعية تعني أن تُستخدم القوة فقط لتحقيق هدف قانوني مشروع. أما الضرورة، فتعني اللجوء إليها كخيار أخير بعد استنفاد الوسائل السلمية، مثل التحذير أو التفاوض أو إعطاء الأوامر الواضحة.
أما التناسب، فيقضي بألا تتجاوز القوة المستخدمة مستوى التهديد القائم، وألا يكون الضرر الناتج عنها أكبر من الضرر المراد منعه.
وتشدد المنظمة على أن أي استخدام تعسفي للقوة، أو استعمالها بقصد العقاب أو الإذلال أو الترهيب، يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، وقد يرقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
ماذا جاء في مجلة بيركلي للقانون الدولي؟
في مقاربة قانونية أوسع، تناول مقال صادر عن Berkeley Journal of International Law المعايير الدولية الناظمة لاستخدام القوة من قبل موظفي إنفاذ القانون.
وأشار إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت منذ عام 1979 مدونة قواعد سلوك تُلزم العناصر الأمنية بمعاملة جميع الأشخاص بكرامة، وتحظر التعذيب والمعاملة المهينة، وتفرض استخدام القوة فقط عندما تكون ضرورية ومتناسبة.
كما تؤكد المبادئ الأساسية المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة النارية أن القوة لا تُستخدم إلا كملاذ أخير، وبعد فشل الوسائل الأخرى، مع وجوب تقليل الضرر إلى الحد الأدنى وحماية الحياة البشرية.
وتشدد هذه المعايير على أن الشخص المحتجز، مهما كانت التهمة المنسوبة إليه، لا يفقد حقوقه الأساسية، بل تبقى الدولة مسؤولة عن سلامته الجسدية والنفسية.
إذاً، ما جرى في ساقية الجنزير هو اختبار جديد لمدى التزام الدولة اللبنانية بمفهوم دولة القانون. فالمشكلة ليست فقط في توقيف مخالف، بل في السؤال الأعمق: هل تُطبَّق القوانين لحماية الناس، أم على حساب كرامتهم؟
أمّا السؤال الأهم: هل يطبّق القانون مناطقيًا فقط؟
القوانين تطبّق لحماية الناس أم على حساب كرامتهم؟
ما جرى أمس في بيروت، بمنطقة ساقية الجنزير، يتجاوز كونه عملية توقيف شخص مخالف للقانون أو لتسعيرة الدولة، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلّق بعلاقة الدولة بمواطنيها، وحدود استخدام القوة، واحترام الكرامة الإنسانية أثناء تنفيذ القانون.
ففي الدول التي تقوم "على المؤسسات"، مبدئيًا، لا يُقاس حضور الدولة فقط بقدرتها على الملاحقة والتوقيف، انّما بالطريقة التي تمارس فيها سلطتها. إذ إن إنفاذ القانون لا يعني الإهانة، ولا يسمح بتحويل المشتبه به إلى هدف للعنف، مهما كانت طبيعة المخالفة المنسوبة إليه.
وفي حديث مع محامية فضّلت عدم الكشف عن اسمها، قالت إن "ما حصل لا يمكن تبريره قانونياً"، مضيفة: "حتى لو كان الشخص تاجراً للمخدرات أو السلاح، لا يحق للعناصر الأمنية التعامل بهذه الوحشية مع أي متهم".
وما حدث أعاد إلى الواجهة مشهداً يتكرر منذ سنوات في لبنان: استخدام العنف كأداة لضبط الشارع، أو تفريق احتجاج، أو تنفيذ توقيف، في ظل غياب المساءلة الحقيقية وتكرار الشكاوى من تجاوزات الأجهزة الأمنية.
ماذا حصل فعليًا؟
شهدت منطقة ساقية الجنزير إشكالاً بين عناصر من المديرية العامة لأمن الدولة من جهة، وأحد أصحاب المولدات الكهربائية المعروف باسم أبو علي عيتاني، إلى جانب عدد من أبناء المنطقة، من جهة أخرى.
وتحوّل الإشكال سريعاً إلى توتر واسع في العاصمة، حيث أُقفلت طرقات عدة في فردان وكورنيش المزرعة وقصقص وغيرها، تضامناً مع عيتاني واحتجاجاً على طريقة التعاطي الأمني.
وبحسب ما تم تداوله، بدأت الحادثة بعد رفض عيتاني الانصياع لطلب أحد الضباط خفض التسعيرة، قبل أن تتطور المواجهة إلى اشتباك مع شبان من المنطقة، تخلله إطلاق نار في الهواء.
من جهتها، أوضحت المديرية العامة لأمن الدولة أن الدورية كانت تنفذ إشارة قضائية صادرة عن النيابة العامة المالية لإحضار صاحب مولد متخلف عن الحضور لاستكمال الإجراءات القضائية، إلا أن عدداً من المواطنين اعترضوا الدورية ومنعوها من تنفيذ مهمتها، ما دفع بعض العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، مؤكدة عدم وقوع إصابات، وأن التحقيق يجري بإشراف النيابة العامة العسكرية.
الحادثة دفعت رئيس الحكومة نواف سلام إلى إصدار موقف حازم، اعتبر فيه أن ما حصل من أعمال عنف وإطلاق نار وإرعاب للمواطنين تصرفات غير مقبولة أياً تكن الذرائع، مؤكداً إعطاء أوامر بإجراء تحقيقات فورية واتخاذ الإجراءات المسلكية والقضائية بحق المرتكبين.
كما شهدت بيروت تحركات تضامنية واسعة، فيما دخلت مرجعيات سياسية ودينية وإعلامية على خط الأزمة، مطالبة بمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار ما جرى. وباشر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم التحقيق مع خمسة عناصر من أمن الدولة، فيما أُخلي سبيل عيتاني.
26 حزيران 2013 – ماذا قالت هيومن رايتس ووتش؟
الحادثة أعادت التذكير بما كانت قد وثقته هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2013، تحدث عن إساءة معاملة وتعذيب فئات مستضعفة داخل مخافر الشرطة اللبنانية.
التقرير، الذي استند إلى أكثر من خمسين مقابلة مع محتجزين سابقين، أشار إلى تعرض موقوفين للضرب، والإهانة، والحرمان من الطعام أو العلاج، والضغط النفسي، واستخدام العنف لانتزاع اعترافات. كما وثّق حالات عنف جنسي بحق نساء موقوفات، إضافة إلى غياب فعّال لآليات الشكوى والمحاسبة.
واعتبرت المنظمة أن المشكلة لا تقتصر على تجاوزات فردية، بل ترتبط بثقافة الإفلات من العقاب، وضعف الرقابة الداخلية، واعتماد القضاء أحياناً على الاعترافات المنتزعة بالإكراه.
ورغم الإصلاحات الشكلية التي أُعلنت آنذاك، شددت المنظمة على أن احترام الحقوق لا يُقاس بالنصوص، بل بالممارسة اليومية داخل مراكز الاحتجاز وخلال تنفيذ التوقيفات.
ماذا تقول منظمة العفو الدولية؟
تؤكد منظمة العفو الدولية أن استخدام القوة من قبل الشرطة يجب أن يخضع لمبادئ واضحة وثابتة، أبرزها الشرعية، والضرورة، والتناسب، وعدم التمييز، والمساءلة.
فالشرعية تعني أن تُستخدم القوة فقط لتحقيق هدف قانوني مشروع. أما الضرورة، فتعني اللجوء إليها كخيار أخير بعد استنفاد الوسائل السلمية، مثل التحذير أو التفاوض أو إعطاء الأوامر الواضحة.
أما التناسب، فيقضي بألا تتجاوز القوة المستخدمة مستوى التهديد القائم، وألا يكون الضرر الناتج عنها أكبر من الضرر المراد منعه.
وتشدد المنظمة على أن أي استخدام تعسفي للقوة، أو استعمالها بقصد العقاب أو الإذلال أو الترهيب، يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، وقد يرقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
ماذا جاء في مجلة بيركلي للقانون الدولي؟
في مقاربة قانونية أوسع، تناول مقال صادر عن Berkeley Journal of International Law المعايير الدولية الناظمة لاستخدام القوة من قبل موظفي إنفاذ القانون.
وأشار إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت منذ عام 1979 مدونة قواعد سلوك تُلزم العناصر الأمنية بمعاملة جميع الأشخاص بكرامة، وتحظر التعذيب والمعاملة المهينة، وتفرض استخدام القوة فقط عندما تكون ضرورية ومتناسبة.
كما تؤكد المبادئ الأساسية المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة النارية أن القوة لا تُستخدم إلا كملاذ أخير، وبعد فشل الوسائل الأخرى، مع وجوب تقليل الضرر إلى الحد الأدنى وحماية الحياة البشرية.
وتشدد هذه المعايير على أن الشخص المحتجز، مهما كانت التهمة المنسوبة إليه، لا يفقد حقوقه الأساسية، بل تبقى الدولة مسؤولة عن سلامته الجسدية والنفسية.
إذاً، ما جرى في ساقية الجنزير هو اختبار جديد لمدى التزام الدولة اللبنانية بمفهوم دولة القانون. فالمشكلة ليست فقط في توقيف مخالف، بل في السؤال الأعمق: هل تُطبَّق القوانين لحماية الناس، أم على حساب كرامتهم؟
أمّا السؤال الأهم: هل يطبّق القانون مناطقيًا فقط؟









