لم يعد السؤال اليوم عمّا إذا كان لبنان يعيش أزمة سياسية أو أمنية جديدة، بل عمّا إذا كان هناك من يدفع البلاد عمدًا نحو انفجار داخلي، بعدما بات عاجزًا عن فرض شروطه على الدولة، وعن إعادة عقارب الساعة إلى زمن كانت فيه المؤسسات تستأذن الدويلة قبل أن تطبّق القانون.
فما شهدناه خلال الأيام الأخيرة ليس تفصيلًا عابرًا. شحنة متفجرات تُضبط في ضهر البيدر، ونائب عن حزب الله يعترف بملكيتها ويطالب باستعادتها، ومداهمة أمنية لمستودع أدوية غير صالحة تواجه محاولة تعطيل، وتصعيد سياسي يرفع منسوب التوتر بين الحزب ومؤسسات الدولة. إنها وقائع متلاحقة تطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل يُحضّر حزب الله لمواجهة جديدة مع الدولة اللبنانية، بعدما باتت خياراته السياسية والعسكرية أكثر ضيقًا؟
لنبدأ من ضهر البيدر.
نحو نصف طن من المواد المتفجرة، بينها مادتا TNT وC4، تضبطها الأجهزة الأمنية اللبنانية. ثم يخرج النائب حسن فضل الله ليقرّ بأن الشحنة تعود إلى حزب الله، ويطالب بإعادتها والإفراج عن الموقوفين، تحت عنوان استخدامها في مواجهة إسرائيل.
أي منطق هذا؟ وأي دولة في العالم يُسمح فيها لتنظيم مسلح بأن ينقل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات خارج سلطة مؤسساتها، ثم يطالب باستعادتها وكأن الأجهزة الأمنية ارتكبت مخالفة بحقّه؟
إن الخطورة لا تكمن فقط في المتفجرات المضبوطة، بل في الرسالة السياسية التي يحملها هذا الاعتراف: أن الحزب لا يزال يتصرف باعتباره سلطة تعلو على سلطة الدولة، وأن ما تصادره المؤسسات الشرعية يعتقد أنه يستطيع استرداده بالضغط السياسي.
وإذا كانت هذه المتفجرات، كما يقول الحزب، معدّة لمواجهة إسرائيل، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: لماذا كانت تُنقل نحو منطقة بيروت؟ ومن كان سيتسلّمها؟ ولماذا لا يُترك للقضاء أن يحدد مسارها ووجهتها الحقيقية؟
إن ادعاء استخدامها ضد إسرائيل لا يكفي لإغلاق التحقيق، كما أن ضبطها لا يثبت وحده وجود مخطط أمني داخلي. لكن مجرد احتمال وصول مواد بهذه الخطورة إلى مناطق سكنية، بعيدًا عن رقابة الدولة، يستوجب تحقيقًا شفافًا لا يخضع للترهيب أو المساومة.
ثم ننتقل إلى المشهد الأكثر استفزازًا: مستودع الأدوية في منطقة غاليري سمعان.
دورية من المباحث الجنائية المركزية تتحرك لضبط أدوية غير صالحة، فتواجه تجمّعًا من الشبان حاول منعها من تنفيذ مهمتها، قبل أن تنجح القوة الأمنية في المداهمة وضبط الأدوية وختم المستودع بالشمع الأحمر، وفق البيان الصادر عن قوى الأمن الداخلي. وفي المقابل، اعترض حزب الله على تنفيذ المداهمة من دون التنسيق المسبق معه.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يتجاوز السياسة إلى الأخلاق والضمير الإنساني:
إذا كانت شحنات المتفجرات تُنقل، بحسب الحزب، لمحاربة إسرائيل، فماذا عن شحنات الأدوية غير الصالحة؟ هل هي أيضًا لمحاربة إسرائيل، أم أنها كانت ستصل إلى أجساد المرضى اللبنانيين؟
هل أصبحت صحة اللبنانيين ملفًا يحتاج إلى إذن سياسي؟ وهل يحتاج القضاء إلى موافقة حزب مسلح كي يداهم مستودعًا يُشتبه في احتوائه على أدوية تهدد حياة الناس؟
أنا طبيب قبل أن أكون ناشطًا في الشأن العام، وأعرف أن الدواء غير الصالح ليس مجرد مخالفة تجارية. إنه خطر محتمل على حياة إنسان، وعلى مريض سرطان ينتظر علاجه، وعلى طفل يحتاج إلى دواء آمن، وعلى عائلة تضع ثقتها في النظام الصحي.
ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك المستودع، أو بمن حاول منع المداهمة، بل بمن يعتقد أن النفوذ السياسي يمنحه الحق في تعطيل تطبيق القانون.
ولا يجوز اتهام أي جهة بملكية الأدوية أو الاتجار بها قبل ثبوت ذلك قضائيًا، لكن لا يجوز أيضًا أن تصبح مناطق النفوذ السياسي حصونًا تمنع الدولة من التفتيش والمحاسبة.
فالدولة التي يُمنع رجال أمنها من تفتيش مستودع أدوية، كيف يمكن أن يُطلب منها حماية حدودها ومواطنيها؟
الأخطر من كل ذلك هو المناخ السياسي الذي يرافق هذه الأحداث. لغة التصعيد، والتلويح بنفاد الصبر، والاحتكاك المتكرر مع مؤسسات الدولة، كلها مؤشرات تستدعي القلق من انتقال الصراع السياسي إلى الشارع.
ليس هناك حتى الآن دليل معلن يحسم وجود قرار بتنفيذ انقلاب أو تفجير الوضع الداخلي. لكن ذلك لا يلغي خطورة المسار الذي تسلكه المواجهة بين حزب الله والدولة.
فحين يصرّ تنظيم مسلح على الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم، ويرفض إخضاع سلاحه لسلطة المؤسسات، ويعترض على الإجراءات الأمنية التي لا تمر عبر قنواته، فإن الخطر لا يبقى نظريًا. بل يصبح سؤالًا يوميًا عن قدرة الدولة على ممارسة سيادتها فوق كامل أراضيها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إسرائيل لا تحتاج إلى أن يتفكك لبنان أكثر مما تفكك، ولا إلى أن تتعطل مؤسساته أكثر مما تعطلت، ولا إلى أن يفقد اللبنانيون ثقتهم بدولتهم أكثر مما فقدوا.
ومن هذه الزاوية، فإن سلوك حزب الله، مهما كانت نيات قيادته المعلنة، قد يحقق عمليًا نتائج تخدم المصلحة الإسرائيلية: دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، اقتصاد منهك، وبلد مفتوح على احتمالات التصعيد.
فكيف يمكن لحزب يرفع شعار حماية لبنان من إسرائيل أن يبرر ممارسات تؤدي إلى إضعاف الدولة اللبنانية من الداخل؟
لقد دفع اللبنانيون، وفي مقدمتهم أبناء الطائفة الشيعية، أثمانًا باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. وليس من حق أي قيادة سياسية أو عسكرية أن تطلب منهم دفع فاتورة جديدة، كلما وجدت نفسها أمام مأزق استراتيجي.
والشيعة اللبنانيون ليسوا درعًا بشريًا لأحد، وليسوا احتياطيًا دائمًا لحروب لا يملكون قرار اندلاعها ولا إنهائها. إنهم مواطنون لهم الحق في الحياة والأمان والاستقرار، كما لسائر اللبنانيين.
لقد آن الأوان أن يُطرح السؤال بوضوح: هل يريد حزب الله أن يتحول من تنظيم يواجه إسرائيل إلى طرف يخوض مواجهة مفتوحة مع الدولة اللبنانية نفسها؟
وهل أصبح الحفاظ على سلاحه ونفوذه أهم من الحفاظ على المؤسسات التي يفترض أن تحمي جميع المواطنين؟
إن ما يجري اليوم يفرض على الدولة اللبنانية مسؤولية تاريخية. فلا يجوز أن تتحول قضية ضهر البيدر إلى تسوية سياسية، ولا أن تُطوى قضية مستودع الأدوية تحت ضغط الشارع، ولا أن يصبح التهديد بالفوضى وسيلة لتعطيل القضاء.
المطلوب ليس مواجهة بين اللبنانيين، ولا حربًا أهلية جديدة، ولا انتقامًا من أي طائفة أو بيئة اجتماعية. المطلوب ببساطة أن تكون هناك دولة واحدة، وقانون واحد، وسلطة أمنية واحدة، وقرار حرب وسلم واحد.
فلبنان لا يحتمل انفجارًا جديدًا، واللبنانيون لم يعودوا قادرين على دفع ثمن مغامرات إضافية.
وأقولها بوضوح: إن أخطر ما يمكن أن يفعله حزب الله اليوم ليس أن يخسر مواجهة سياسية مع الدولة، بل أن يحاول جرّ الدولة والمجتمع إلى مواجهة يخسر فيها لبنان بأكمله.
من ضهر البيدر إلى مستودعات الأدوية، ومن التهديد السياسي إلى محاولات تعطيل الإجراءات الأمنية، تتراكم إشارات الإنذار.
فهل يقرأ حزب الله خطورة هذه اللحظة قبل فوات الأوان؟ أم أنه سيواصل التصعيد حتى يصبح الشارع اللبناني ساحة الانفجار المقبل؟
لبنان ليس مخزن متفجرات، وليس مستودع أدوية فاسدة، وليس رهينة بيد من يعتقد أن امتلاك السلاح يمنحه حق امتلاك الدولة.
ومن يريد حقًا حماية لبنان، فليبدأ بالتوقف عن تهديد دولته.











