في جنوب لبنان، حيث تختلط خرائط الميدان بحسابات السياسة، تبدأ مرحلة تحمل في تفاصيلها ما يتجاوز حدود القرى التي ستدخلها، فالمناطق التجريبية التي انطلقت في فرون وصريفا وزوطر الغربية تضع الجيش اللبناني أمام اختبار دقيق، عنوانه القدرة على فرض الأمن وفق صيغة جديدة، فيما تقف خلف هذه التجربة عيون أميركية وإسرائيلية تراقب كيفية التنفيذ، وما إذا كان بالإمكان الانتقال لاحقاً من نطاق محدود إلى مسار أوسع يعيد رسم المشهد الأمني في الجنوب.
الخارجية الأميركية أعلنت أن عمليات المنطقة التجريبية بدأت اليوم في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، وفق الإطار الثلاثي وتحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت نتيجة مباشرة للمباحثات التي عقدت الأسبوع الماضي بين لبنان وإسرائيل في روما، مع تأكيد واشنطن مواصلة العمل مع الطرفين من أجل تطبيق الإطار وصولاً إلى استكماله.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء المرحلة التجريبية لمشروع المنطقة الآمنة في جنوب لبنان، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية والجيش اللبناني، فيما أكدت واشنطن دخول صيغة المناطق التجريبية حيز التنفيذ، في خطوة تستند إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من حزيران، بعد خمس جولات من التفاوض.
بالتالي، يضع المشهد الجديد المؤسسة العسكرية اللبنانية في موقع بالغ الحساسية، كون المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بعدد القرى التي سيدخلها الجيش أو المساحات التي سينتشر فيها، وإنما بقدرته على تقديم نموذج أمني قادر على الصمود، وضبط الأرض، ومنع أي عودة إلى معادلات سابقة، وهو ما يجعل كل خطوة ميدانية محط متابعة سياسية وأمنية تتجاوز الداخل اللبناني.
وفي قراءة لهذا التطور، يقول نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار العميد المتقاعد طوني أبي سمرا لموقع "الحقيقة"، إن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمثل محطة أساسية في الاتجاه الذي اختاره لبنان، معتبراً أن نجاح الزيارة يمكن أن يضع البلاد على سكة المشروع الأميركي للشرق الأوسط، بدءاً من مسار اتفاقيات أبراهام وصولاً إلى رؤية أوسع للاستقرار الإقليمي.
وبحسب أبي سمرا، فإن الرئيس عون حسم خياره السياسي في هذا الاتجاه، فيما يبقى التنفيذ على الأرض عنصراً حاسماً في تحديد قدرة لبنان على السير في هذا المسار، إذ يرى أن نجاح التجربة يتطلب موقفاً رئاسياً ثابتاً على المستوى الاستراتيجي والسياسي، إلى جانب قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ ما يُطلب منه ميدانياً، والحفاظ على القرار الذي اتُخذ وعدم السماح لأي جهة بإعادة فتح الطريق أمام الفوضى المسلحة.
ويضع أبي سمرا أمام الجيش مهمة دقيقة تتعلق بمنع إعادة إنتاج البيئة التي يمكن أن تسمح، بعودة حزب الله إلى المناطق التجريبية، معتبراً أن المطلوب من المؤسسة العسكرية إثبات قدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على المناطق التي تنتشر فيها، ومنع وجود أي خلايا أو مواقع أو خنادق أو مخازن سلاح، إضافة إلى التعامل مع أي مجموعات مسلحة قد تنشط خارج سلطة الدولة.
هذه النقطة تحديداً قد تكون الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، إذ إن نجاح المناطق التجريبية لن يرتبط فقط بعملية الانتشار العسكري، وإنما بمدى قدرة الجيش على تثبيت واقع أمني مستدام، بحيث تصبح الدولة صاحبة الكلمة الوحيدة في الأرض، وهو ما سيضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار ميداني متواصل، يحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإمكانات لوجستية، ودعم دولي يواكب كل مرحلة من مراحل الانتشار.
ويرى أبي سمرا أن نجاح الجيش في هذه المهمة سيعني أن الرؤية التي اختارها الرئيس عون بدأت تتحول إلى واقع، وعندها يمكن الانتقال تدريجياً من منطقة إلى أخرى، ضمن مشروع طويل يحتاج إلى وقت، وإلى بناء ثقة بين لبنان وشركائه الدوليين، مشيراً إلى أن الدعم الأميركي للجيش سوف يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ القرارات المطلوبة منها.
ومن هذه الزاوية، فإن المعركة الحقيقية لا تتوقف عند حدود القرى الثلاث التي بدأت فيها التجربة، فهذه المناطق قد تكون مجرد نقطة انطلاق لمسار أكبر، فإذا نجح النموذج في تثبيت الأمن وفرض سلطة الدولة، يمكن أن تتوسع التجربة تدريجياً، أما إذا واجهت عراقيل ميدانية أو سياسية، فقد تدخل الخطة في مرحلة من التعقيدات التي يصعب معها الانتقال السريع إلى مناطق جديدة.
ويعتبر أبي سمرا أن نجاح الجيش في المرحلة المقبلة يمكن أن يفتح الباب أمام بناء ثقة مزدوجة، ثقة عسكرية مع الجهات الدولية التي تتابع أداء المؤسسة على الأرض، وثقة سياسية مرتبطة بقدرة لبنان على تنفيذ ما يلتزم به، وعندها يمكن أن يبدأ مسار متدرج تتوسع فيه النتائج خطوة بعد أخرى.
وفي تقديره، فإن قيادة الجيش برئاسة العماد رودولف هيكل قادرة على التعامل مع المرحلة بصلابة، فيما يرى أن القوى المرتبطة بمحور حزب الله وحركة أمل وإيران تمر بمرحلة ضعف على مستوى القدرة على التأثير الميداني، معتبراً أن إيران منشغلة في ملفات إقليمية واسعة، الأمر الذي قد يترك مساحة أكبر أمام الدولة اللبنانية لتثبيت حضورها في الجنوب.
ومع بدء هذه التجربة، يجد لبنان نفسه أمام لحظة لا تسمح بالكثير من المناورات، فالمناطق التجريبية قد تبدو على الخريطة محدودة المساحة، غير أن دلالاتها السياسية والأمنية أكبر بكثير من حدودها الجغرافية، إذ إن نجاحها قد يفتح الباب أمام مسار جديد في الجنوب، فيما فشلها قد يعيد طرح الأسئلة القديمة حول قدرة الدولة على الإمساك بالأرض.
لهذا، فإن الساعات والأيام المقبلة لن تكون مجرد فترة اختبار عسكري، وإنما مرحلة لقياس قدرة لبنان على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني، وفي قلب هذا الاختبار يقف الجيش اللبناني أمام مهمة دقيقة، عنوانها تثبيت سلطة الدولة، حماية الاستقرار، ومنع أي قوة مسلحة من إعادة فرض حضورها خارج القرار الرسمي، وفي حال نجح في ذلك، قد تبدأ كرة الثلج التي يتحدث عنها أبي سمرا بالتدحرج من قرية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وصولاً إلى مشهد جنوبي مختلف تماماً عما عرفه لبنان خلال السنوات الماضية.












