ليس أكثر سطحية من أن نتعامل مع قضية «إبستين تونس» بوصفها مجرد فضيحة جنسية، أو أن نحولها إلى معركة أخلاقية حول الحياة الخاصة للأفراد. فالخبر الذي هزّ الرأي العام التونسي خلال الأيام الأخيرة يستحق سؤالًا أكبر بكثير من تفاصيل العلاقات التي كشفتها التحقيقات: ماذا يحدث عندما تلتقي السلطة بالمال والإعلام والعلاقات الخاصة والابتزاز؟
القضية، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية نقلاً عن مصدر أمني، لم تبدأ أصلًا ببحث عن شبكة جنسية. بدأت بشكوى تقدم بها مسؤول سابق في وزارة الشؤون الثقافية، قال فيها إنه تعرض للاحتيال والابتزاز والتهديد والاستيلاء على أموال، مع استعمال اسمه وصفته على شبكات التواصل. قادت التحريات إلى مخرج سينمائي، ثم إلى تفتيش منزله وحجز حاسوبه، حيث عُثر، وفق الرواية المنشورة، على تسجيلات جنسية لأشخاص آخرين. ومن هناك اتسع التحقيق ليشمل أسماء معروفة في الفن والمحاماة والسياسة والرياضة وغيرها.
ومن هنا ظهر وصف «إبستين تونس».
التسمية ليست اسمًا قضائيًا، ولا تثبت وجود أي علاقة بين الملف التونسي وشبكة جيفري إبستين الأميركية. إنها تسمية إعلامية نشأت بسبب التشابه في عنصرين على الأقل: تداخل العلاقات الخاصة مع شخصيات معروفة، ووجود شبهة ابتزاز تجعل التسجيلات والمعلومات الخاصة قابلة للتحول إلى أدوات نفوذ.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف.
فالقضية لا تستحق الاهتمام لأن رجالًا مارسوا علاقات جنسية، ولا لأن بعضهم معروف أو ينتمي إلى طبقة اجتماعية معينة. الحياة الخاصة للأفراد ليست مادة سياسية في ذاتها. لكن المسألة تصبح سياسية عندما تتحول العلاقة الخاصة إلى معلومة، والمعلومة إلى سر، والسر إلى ورقة ضغط، وورقة الضغط إلى مال أو نفوذ أو حماية.
وهذا هو الدرس الأهم في قضية إبستين الأصلية.
لم يكن إبستين مجرد رجل متهم بجرائم جنسية؛ لقد كشفت قضيته عن عالم تتقاطع فيه الثروة مع العلاقات والنفوذ والسياسة والأوساط الأكاديمية والاجتماعية. ولذلك بقي السؤال الأكبر بعد انكشاف الجرائم: كيف استطاع رجل بهذا الحجم من الاتهامات أن يتحرك سنوات طويلة داخل دوائر النخبة؟ ومن الذي استفاد من شبكة العلاقات التي بناها؟
وقد وصف باحثون قضية إبستين بأنها مثال كاشف لتداخل المال والنفوذ والجنس، لا باعتبارها فضيحة شخصية فقط، بل باعتبارها ظاهرة تكشف قدرة رأس المال والعلاقات الاجتماعية على فتح الأبواب أمام صاحبها.
وفي تونس، لا يجوز أن نقفز من هذا التشابه إلى القول إن هناك «إبستين تونسيًا» بالمعنى الحرفي، أو أن الشبكة مرتبطة بجهة استخبارية أجنبية، أو أن كل من ورد اسمه في التحقيق متورط بالضرورة. هذه كلها أمور تحتاج إلى أدلة قضائية وتحقيقات مستقلة.
لكن من حقنا أن نسأل:
هل يمكن أن يتحول الجنس إلى سوق للمعلومات؟
هل يمكن أن يتحول المال إلى وسيلة لشراء الصمت؟
هل يمكن أن يتحول الإعلام إلى أداة لصناعة السمعة أو تدميرها؟
وهل تستطيع شبكة صغيرة من العلاقات الخاصة أن تتحول، حين تدخل إليها شخصيات ذات نفوذ، إلى شبكة سياسية غير معلنة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من أسماء الأشخاص.
فالسلطة الحديثة لا تعمل دائمًا عبر المرسوم والشرطة والسلاح. هناك سلطة أكثر نعومة: سلطة المال، وسلطة المعلومة، وسلطة الصورة، وسلطة السر.
ومن يمتلك المال يستطيع أن يشتري الوصول.
ومن يمتلك الإعلام يستطيع أن يصنع الصورة.
ومن يمتلك الأسرار يستطيع أن يصنع الخوف.
ومن يجمع الثلاثة يستطيع أن يصنع النفوذ.
وهنا يصبح السرير، في بعض الحالات، امتدادًا للسوق؛ والكاميرا امتدادًا للابتزاز؛ والإعلام امتدادًا للسلطة.
لكن علينا أن نكون أكثر دقة.
ليس كل شخص يظهر في تسجيل جنسي عميلًا.
وليس كل علاقة خاصة شبكة ابتزاز.
وليس كل شخصية معروفة متورطة في جريمة لمجرد ورود اسمها في تحقيق.
وليس كل فضيحة مؤامرة استخباراتية.
لكن الشبكات التي تستثمر في نقاط ضعف البشر موجودة في كل المجتمعات، ولهذا فإن وظيفة التحقيق ليست مطاردة الأخلاق الخاصة، وإنما معرفة ما إذا كانت المعلومات الخاصة قد استُخدمت للإكراه أو الابتزاز أو الحصول على المال أو النفوذ.
وهنا تحديدًا ينبغي أن تكون الدولة أكثر صرامة.
إذا كانت التسجيلات قد استُخدمت للابتزاز، فالمسألة ليست أخلاقية فحسب؛ إنها جريمة.
وإذا استُخدمت لحماية مسؤول أو شراء قرار أو إسكات شاهد، فهي تصبح مسألة فساد سياسي.
وإذا دخل الإعلام في عملية التغطية أو التشهير الانتقائي، تصبح القضية أيضًا مسألة تتعلق بصناعة الحقيقة العامة.
أما إذا ثبت أن المال انتقل بين أطراف الشبكة مقابل الصمت أو الحماية أو النفوذ، فنحن أمام شيء أكبر بكثير من فضيحة جنسية.
نكون أمام اقتصاد سياسي للسر.
وهذا هو السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط شهية الجمهور للفضائح.
فالناس بطبيعتها تريد الأسماء.
لكن الدولة يجب أن تريد البنية.
الجمهور يريد أن يعرف من ظهر في الفيديو.
أما التحقيق الجدي فيجب أن يريد أن يعرف: من صوّر؟ لماذا صوّر؟ أين حُفظت التسجيلات؟ من امتلكها؟ من شاهدها؟ هل استُخدمت للابتزاز؟ من دفع؟ من قبض؟ من تدخل؟ من حمى؟ ومن استفاد؟
هنا تبدأ القضية الحقيقية.
لأن الابتزاز لا يعيش من التسجيل وحده.
إنه يحتاج إلى شبكة ثقة وخوف ومصلحة.
والشبكة لا تعمل إذا لم يكن فيها مال، أو نفوذ، أو قدرة على الوصول إلى أشخاص يمكن التأثير فيهم.
ولهذا فإن السؤال السياسي ليس: هل تونس لديها «جزيرة إبستين»؟
بل: هل لديها شبكات تستطيع تحويل نقاط ضعف النخب إلى أدوات للسيطرة عليها؟
هذا سؤال مختلف تمامًا.
والأخطر أن يصبح المجتمع نفسه شريكًا في اللعبة عندما يتحول إلى مستهلك للفضائح: نكشف الصور، نتبادل الأسماء، نشمت، نزايد أخلاقيًا، ثم ننسى أن نسأل عن الأموال والاتصالات والعلاقات ومواقع النفوذ.
وهكذا يتحول الفضيح إلى ستار يحجب الشبكة.
وهذا ما ينبغي الحذر منه في قضية «إبستين تونس».
فإن ثبتت الجرائم، يجب أن يحاسب مرتكبوها وفق القانون.
وإن ثبت الابتزاز، يجب أن يحاسب المبتزون.
وإن ثبت استعمال النفوذ، يجب أن يصل التحقيق إلى أصحاب النفوذ.
وإن ثبتت حماية مسؤولين أو شراء صمتهم، فالمسألة تصبح قضية دولة لا قضية أفراد.
أما أن يتحول الملف إلى حرب على الحياة الخاصة، أو إلى مطاردة للمثليين، أو إلى منصة للتشهير بكل من ورد اسمه، فذلك يعني أننا لم نفهم شيئًا.
فالحداثة ليست أن تكون للنخبة أسرار أكثر، بل أن تكون الدولة أقوى من أسرار النخبة.
وليست الحرية أن يفعل الإنسان في حياته الخاصة ما يشاء فحسب، بل أن يعيش في دولة لا يستطيع فيها صاحب المال أو السلطة أو التسجيلات أن يبتزه أو يبتز غيره.
وليست الدولة الحديثة دولة تراقب غرف النوم، بل دولة تراقب تدفق المال، واستعمال السلطة، وتضارب المصالح، وشبكات الابتزاز، وتداول المعلومات الخاصة عندما تتحول إلى أداة جريمة.
لذلك فإن «إبستين تونس» قد تكون فضيحة عابرة.
وقد تكون شبكة أكبر مما نعرف.
وقد تكون مجرد قضية جنائية تضخمت في الإعلام.
القضاء وحده يستطيع أن يحسم ذلك.
لكن أياً كانت النتيجة، فقد كشفت القضية سؤالًا يستحق أن يبقى مفتوحًا:
ماذا يحدث حين يصبح المال قادرًا على شراء الوصول، والإعلام قادرًا على صناعة الحقيقة، والجنس قادرًا على إنتاج السر، والسر قادرًا على إنتاج الابتزاز؟
عندها لا يعود الخطر في «العلاقات المحرمة» وحدها.
الخطر أن تتحول العلاقة إلى معلومة، والمعلومة إلى سلعة، والسلعة إلى نفوذ، والنفوذ إلى سلطة لا يراها أحد.












