ليس السؤال اليوم كيف يحافظ الشيعة اللبنانيون على حضورهم في معادلة السلطة فحسب، بل كيف يحوّلون هذا الحضور إلى مدارس ناجحة، واقتصاد منتج، ومؤسسات شفافة، ومجتمع يستطيع أن يقدم للبنان نموذجًا يُحتذى به.
ثمة سؤال يستحق أن يُطرح داخل الجماعة الشيعية في لبنان، بعيدًا عن السجالات السياسية المعتادة: ماذا لو أن أعظم ما يمكن أن تقدمه هذه الجماعة للبنان ليس مشروعًا سياسيًا جديدًا، ولا خطابًا تعبويًا إضافيًا، بل نموذجًا اجتماعيًا ناجحًا؟
فبعد عقود من الانشغال بالتمثيل السياسي، وتثبيت الحضور، وإدارة الصراعات، يصبح من المشروع أن نسأل عن الحصيلة الاجتماعية لهذا المسار: ماذا تحقق في التعليم؟ ماذا أُنجز في الاقتصاد؟ ما نوع المؤسسات التي نشأت؟ وأي فرص أُتيحت للأجيال الجديدة كي تصنع مستقبلها بعيدًا عن الوساطة والولاء السياسي؟
ليست الغاية التقليل من أهمية الحقوق السياسية أو تجاهل التحديات الأمنية والاقتصادية التي واجهتها الجماعة، ولا سيما في الجنوب والبقاع. بل المقصود إعادة النظر في معنى القوة ذاتها: هل تُقاس القوة بما تملكه الجماعة من أدوات نفوذ، أم بما تستطيع إنتاجه من معرفة ومؤسسات وفرص وحياة كريمة؟
_*الجنوب: من الصمود إلى شروط الحياة*
في الجنوب، لا يمكن فصل الحديث عن التنمية عن الحروب والاعتداءات والتهجير والخسائر التي أصابت السكان ومصادر رزقهم. لكن إعادة الإعمار، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تختزل في ترميم المنازل والطرقات.
فالقرية الجنوبية تحتاج إلى مدرسة جيدة بقدر حاجتها إلى منزل آمن، وإلى مستشفى قادر على خدمة أهلها بقدر حاجتها إلى بنية تحتية متينة، وإلى اقتصاد زراعي وإنتاجي يمنح أبناءها سببًا للبقاء، لا مجرد العودة المؤقتة.
ما الذي يمنع أن تتحول القرى الجنوبية إلى نماذج في التعاونيات الزراعية، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والإدارة البلدية الرشيدة؟ ولماذا لا يصبح نجاح بلدية جنوبية في إدارة النفايات أو المياه أو المال العام إنجازًا وطنيًا يُشار إليه، بدل أن ينحصر حضورها الإعلامي في أخبار الأزمات والمواجهات؟
إن حماية الأرض لا تنفصل عن توفير شروط الحياة الكريمة عليها. فالأرض التي لا يجد أبناؤها فيها عملًا أو تعليمًا أو مستقبلًا تبقى مهددة بخسارة طاقاتها البشرية، حتى حين يظل الانتماء إليها راسخًا في الوجدان.
_*الضاحية: من كثافة الحضور إلى جودة الحياة*
أما الضاحية الجنوبية لبيروت، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية أو عنوان سياسي وأمني. إنها مجتمع واسع، يضم طاقات بشرية واقتصادية وثقافية تستحق أن تكون محور مشروع تنموي متكامل.
والسؤال هنا ليس عن حجم الحضور السياسي في الضاحية، بل عن نوعية الحياة التي يستطيع سكانها الحصول عليها.
كيف يمكن أن تصبح الضاحية نموذجًا في التنظيم المدني، والنقل العام، والمساحات الخضراء، والنظافة، والسلامة العامة؟ وكيف يمكن لمؤسساتها التعليمية والثقافية أن تفتح أمام الشباب أبواب البحث والابتكار والفنون، بدل أن تضيق خياراتهم بين الهجرة والوظيفة المشروطة بالواسطة؟
إن نجاح الضاحية لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرتها على التعبئة والتنظيم، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج مدينة صالحة للعيش، يتمتع سكانها بحقوقهم المدنية والخدماتية دون حاجة إلى وسيط.
فالمدينة التي تستطيع تنظيم جمهور واسع تستطيع أن تطمح أيضًا إلى تنظيم حياتها العامة على قواعد الكفاءة والمساءلة والمصلحة المشتركة.
_*بعلبك–الهرمل: من خزان الولاء إلى فضاء الإنتاج*
وفي بعلبك–الهرمل، تتجلى المسألة بصورة مختلفة. فالمنطقة تمتلك ثروة بشرية وزراعية وتاريخية وثقافية، لكنها تواجه تحديات تنموية متراكمة تتصل بفرص العمل والبنية التحتية والخدمات والاستثمار.
ليس قدر شباب بعلبك والهرمل أن تكون خياراتهم محصورة بين الهجرة، والوظيفة العامة، والالتحاق بشبكات النفوذ السياسي والاجتماعي.
لماذا لا تتحول المنطقة إلى مركز للصناعات الزراعية والغذائية؟ ولماذا لا تُبنى فيها مؤسسات بحثية وتعليمية تستثمر في مواردها المحلية، وتربط الجامعة بسوق العمل، وتمنح أبناءها فرصًا حقيقية للإبداع والإنتاج؟
ولماذا لا تصبح بلدة مثل بريتال، أو غيرها من بلدات المنطقة، نموذجًا في العمل البلدي والثقافي والتنموي، بحيث يتنافس أبناؤها على جودة المدرسة والمكتبة والمركز الثقافي والمشروع الاقتصادي، بدل التنافس على القرب من أصحاب النفوذ؟
إن الانتقال من ثقافة طلب الخدمة إلى ثقافة بناء المؤسسة هو أحد التحولات الضرورية لأي مشروع اجتماعي جاد.
_*من قيادة المجتمع إلى الريادة فيه*
ثمة فرق جوهري بين قيادة المجتمع والريادة فيه.
فالقيادة تستند إلى موقع في السلطة، أو إلى قدرة على التأثير في القرار وتوجيه السلوك الجماعي. أما الريادة فتستند إلى الإنجاز الذي يفرض احترامه من دون حاجة إلى سلطة تفرضه.
قد تستطيع مؤسسة سياسية أن تحشد الآلاف في مناسبة عامة، لكن ذلك لا يخبرنا بالضرورة عن جودة المدارس التي يتعلم فيها أبناؤهم، أو عن فرص العمل المتاحة لهم، أو عن مستوى الخدمات التي يحصلون عليها.
وقد تستطيع جهة نافذة تأمين وظيفة لشاب عبر علاقاتها، لكن النجاح المؤسسي يبدأ حين يستطيع الشاب نفسه الحصول على فرصته بكفاءته، من دون أن يضطر إلى طرق أبواب النافذين.
هنا يكمن الفارق بين مجتمع يعتمد على شبكة الحماية والوساطة، ومجتمع يمتلك مؤسسات تحمي حقوق أفراده وتتيح لهم التقدم باستقلالية.
إن المدرسة التي تخرّج باحثًا متميزًا، والجامعة التي تنتج معرفة جديدة، والبلدية التي تدير مواردها بشفافية، والتعاونية التي تؤمّن دخلًا مستدامًا للمزارعين، كلها نماذج للريادة الاجتماعية التي تتجاوز حدود الانتماء الطائفي.
فالإنجاز الناجح لا يسأل المستفيد عن مذهبه قبل أن يقدم له الخدمة، ولا يحتاج إلى خطاب تعبوي كي يثبت قيمته.
_*حين تتحول المؤسسات إلى غاية لا وسيلة*
تملك الجماعة الشيعية في لبنان شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية. وهذه البنية تمثل موردًا يمكن تطويره ليكون أكثر انفتاحًا وإنتاجية واستقلالًا.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق عمل هذه المؤسسات هو: هل الغاية منها بناء الإنسان المستقل، أم إعادة إنتاج علاقات التبعية؟
هل المدرسة تُخرّج طالبًا قادرًا على التفكير النقدي، أم فردًا يتقن ترديد الإجابات الجاهزة؟ وهل المؤسسة الاجتماعية تمنح المستفيد أدوات الاستقلال الاقتصادي، أم تُبقي حاجته إلى المساعدة قائمة؟ وهل تُقاس كفاءة المسؤول بإنجازاته، أم بموقعه داخل شبكة العلاقات؟
ليست المشكلة في وجود المؤسسات ذات الخلفية الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، بل في المعايير التي تحكم أداءها، ومدى خضوعها للمساءلة، وقدرتها على تقديم الخدمة بوصفها حقًا لا منّة.
والمطلوب أن تصبح هذه المؤسسات فضاءات لإنتاج الكفاءة، لا مجرد امتدادات للبنى التنظيمية التي أنشأتها.
فالجامعة الناجحة ليست التي تخرّج أكبر عدد من حملة الشهادات، بل التي تمنح طلابها القدرة على البحث والإبداع والمنافسة. والمؤسسة الخيرية الناجحة ليست التي يتسع عدد المستفيدين الدائمين منها، بل التي تستطيع مساعدة الناس على تجاوز الحاجة إليها.
_*من الاعتراف السياسي إلى الاعتراف بالإنجاز*
لطالما شغل سؤال الاعتراف والتمثيل موقعًا مركزيًا في التجربة السياسية للشيعة اللبنانيين. وقد ارتبط هذا السؤال بتاريخ من التفاوت التنموي والاجتماعي، وبمطالب المشاركة في مؤسسات الدولة.
لكن الاعتراف السياسي، مهما كانت أهميته، لا يغني عن بناء مقومات النجاح الاجتماعي.
فليس كافيًا أن تمتلك الجماعة حضورًا في البرلمان والحكومة والإدارة إذا ظل أبناؤها يواجهون صعوبات في التعليم والعمل والخدمات العامة. وليس كافيًا أن يكون لها صوت مسموع في القضايا الوطنية إذا لم يتحول هذا الصوت إلى مشاريع تنموية قابلة للقياس والمساءلة.
والانتقال المطلوب هنا ليس من السياسة إلى الانكفاء عنها، بل من اعتبار النفوذ غاية قائمة بذاتها إلى اعتباره مسؤولية تُقاس بنتائجها في حياة الناس.
وهذا التحول لا يخص الشيعة وحدهم؛ فالمشكلة اللبنانية الأوسع تكمن في اختزال التمثيل الطائفي بالقدرة على توزيع المنافع، بدل ربطه بجودة المؤسسات والخدمات التي يستفيد منها المواطنون.
_*حسن الجوار بدل منطق الغلبة*
لا يكتمل أي مشروع اجتماعي ناجح من دون إعادة بناء العلاقة مع بقية اللبنانيين على أساس المواطنة والمصلحة المشتركة.
فالجماعة التي تريد أن تكون شريكًا في بناء الوطن تحتاج إلى أن ترى في نجاح الجماعات الأخرى إضافة إلى نجاحها، لا انتقاصًا منه.
وحين تنجح مدرسة في الجنوب في استقبال طلاب من خلفيات مختلفة، أو تنشأ مؤسسة اقتصادية في البقاع توفر فرص عمل لجميع أبناء المنطقة، أو تقدم بلدية في الضاحية نموذجًا في الخدمة العامة، يصبح الإنجاز مساحة للتعاون تتجاوز الحدود الطائفية.
ولا تعني هذه الرؤية ذوبان الخصوصيات الثقافية والدينية، بل تحريرها من منطق التنافس على النفوذ، وإتاحة المجال أمامها لتسهم في بناء المجال الوطني المشترك.
فالمواطنة لا تُختبر بالشعارات الكبرى وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية: احترام القانون، وصون المال العام، والمساواة أمام المؤسسات، والاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف والمشاركة.
_*الخاتمة: أن يصبح النجاح هو الرسالة*
ربما حان الوقت لأن يُطرح داخل الجماعة الشيعية سؤال جديد، يتجاوز السجال الدائم حول من يقودها ومن يمثلها: ماذا يمكن أن تقدم للبنان من نماذج اجتماعية وثقافية واقتصادية ناجحة؟
أن تكون مدارسها عنوانًا لجودة التعليم، وجامعاتها فضاءات لإنتاج المعرفة، ومؤسساتها نموذجًا للشفافية، وبلدياتها مثالًا في الخدمة العامة، واقتصادها المحلي قائمًا على الإنتاج، وشبابها قادرين على التقدم بالعلم والكفاءة لا بالواسطة.
وأن يكون احترام القانون والمال العام ممارسة يومية، وأن تقوم العلاقة مع بقية اللبنانيين على حسن الجوار والتكامل، لا على منطق الغلبة والخوف المتبادل.
عندها يتحول سؤال الاعتراف من مطالبة الآخرين بالإقرار بقيمة الجماعة إلى سؤال عن الإنجاز الذي تقدمه للمجتمع والوطن.
فالقيمة الوطنية لأي جماعة لا تختزل في حجم حضورها داخل السلطة، بل تتجلى أيضًا في مقدار ما تضيفه إلى حياة الناس، وما تنتجه من معرفة ومؤسسات وفرص وعدالة.
ولعل المشروع الأجدر بالنقاش اليوم ليس كيف يصبح الشيعة أكثر حضورًا في لبنان، بل كيف يصبح حضورهم أكثر إسهامًا في بنائه.
فأن تكون الجماعة قوية في وطنها شيء، وأن يصبح الوطن أقوى بما تقدمه هذه الجماعة شيء آخر.












