هل غادرت أمريكا العراق؟ وكيف غادرته؟
للاستقلال طعم خاص؛ شعور ينتاب الإنسان فلا تستطيع الكلمات أن تصفه، وفرحة تغمره فلا يستطيع كبح جماحها. كيف لا، وقد استعاد إنسانيته المفقودة، وصار حرًّا، يملك قراره، ويشعر أن وطنه وطنه، وأن مصيره ليس في يد قوة أجنبية؟
لكن ماذا عن العراقيين اليوم؟
هل يشعر العراقي أنه استعاد استقلاله؟ هل يحس أنه حر؟ وهل يعتقد حقًّا أن أمريكا غادرت العراق؟
نعم، غادرت القوات الأميركية العراق عسكريًا. ففي نهاية أيلول/سبتمبر 2026 اكتمل الانسحاب الأميركي، لتنتهي بذلك أكثر من عقدين من الوجود العسكري الأميركي المباشر في العراق. وقد احتفت إيران وحلفاؤها في العراق بالانسحاب بوصفه انتصارًا، فيما رأى آخرون أن خروج القوات الأميركية يترك فراغًا قد يزيد نفوذ الفصائل العراقية المرتبطة بإيران.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل خرج آخر جندي أميركي من العراق؟
بل: كيف خرجت أمريكا من العراق؟ وماذا تركت وراءها؟
فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ. فالولايات المتحدة، حتى بعد خروج قواتها، ما زالت تمتلك أدوات تأثير اقتصادية ومالية وسياسية واسعة. ومن أبرزها ملف عائدات النفط العراقي؛ إذ تُدار عائدات النفط عبر حساب تابع للبنك المركزي العراقي في الاحتياطي الفدرالي الأميركي في نيويورك، وهو ترتيب يمنح واشنطن نفوذًا مهمًا في النظام المالي العراقي، خصوصًا أن النفط يشكل الجزء الأكبر من إيرادات الدولة العراقية.
إذن، خرج الجندي الأميركي، لكن بعض أدوات النفوذ الأميركي بقيت.
وهنا تبدأ المفارقة.
لقد دخلت أمريكا العراق عام 2003 تحت عناوين كبرى: إسقاط الدكتاتورية، بناء الديمقراطية، تحرير الإنسان، وإعادة بناء الدولة. لكن العراق الذي خرجت منه بعد أكثر من عشرين عامًا لم يتحول إلى النموذج الذي بشرت به تلك العناوين. فقد عاش العراقيون سنوات طويلة من العنف، والإرهاب، والفساد، والانقسام الطائفي، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة والسلاح.
وليس من الإنصاف، في المقابل، أن تُحمَّل أمريكا وحدها كل ما جرى للعراق بعد 2003. فالتاريخ العراقي خلال العقدين الماضيين أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في قوة احتلال واحدة. فقد تداخل الاحتلال الأميركي مع صعود قوى سياسية ومسلحة محلية، وتوسع النفوذ الإيراني، وتفكك مؤسسات الدولة، وصعود تنظيمات إرهابية، وصراعات إقليمية ودولية، وأخطاء النخب العراقية نفسها.
وهنا يظهر الوجه الآخر للمأساة.
فالعراق لم يكن أمام احتلال أميركي فقط، بل وجد نفسه أيضًا أمام نفوذ إيراني متزايد.
إيران لم تدخل العراق بالدبابات بالطريقة التي دخلت بها أمريكا، لكنها بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والعسكرية، مستفيدة من قوى وفصائل عراقية حليفة لها. ومع خروج القوات الأميركية، يزداد النقاش حول احتمال اتساع المجال أمام القوى المرتبطة بطهران للتأثير في السياسة والأمن العراقيين.
وهنا يصبح السؤال أكثر مرارة:
ماذا يعني أن يخرج المحتل، بينما يبقى منطق الوصاية؟
فالمشكلة ليست فقط في وجود جندي أجنبي على الأرض، وإنما في أن تتحول الدولة إلى ساحة نفوذ، وأن يصبح القرار الوطني موزعًا بين عواصم الخارج، وأن تبحث قوى الداخل عن شرعيتها وقوتها وحمايتها خارج حدود الدولة.
قد يخرج الأميركي، ويبقى الإيراني.
وقد يتراجع الإيراني، فيأتي غيره.
لكن العراق لا يصبح مستقلًا لمجرد تبدل السيد.
الاستقلال الحقيقي هو أن تنتهي الحاجة إلى السيد أصلًا.
وهذه هي المسألة التي تبدو أكثر إيلامًا في التجربة العراقية: أن يتحول المجتمع من مقاومة الاحتلال إلى التنافس على حماية الاحتلال أو النفوذ الخارجي، وأن تنتقل الوصاية من قوة إلى أخرى، فيما يبقى المواطن خارج دائرة القرار الحقيقي.
ليس الخطر في أن تكون لأمريكا مصالح في العراق، ولا في أن تكون لإيران مصالح فيه؛ الدول بطبيعتها تسعى إلى مصالحها. الخطر يبدأ حين تصبح مصالح الخارج أقوى من مصالح الدولة، وحين يجد الخارج وكلاء محليين قادرين على حماية نفوذه من داخل المجتمع نفسه.
عندها لا يحتاج الاحتلال إلى جندي.
يكفيه وكيل.
ولا يحتاج إلى أن يحكم مباشرة.
يكفيه أن يجد من يحكم بما ينسجم مع مصالحه.
وهذه ربما هي الصورة الأكثر قسوة للاستعمار الحديث: أن يصبح المحتل أقل حاجة إلى احتلالك، لأنك تتولى بنفسك حراسة نفوذه.
لكن ثمة خطأ آخر يجب تجنبه: أن نضع العراقيين جميعًا في خانة واحدة، أو أن نحول المسألة إلى حكم طائفي على الشيعة أو السنة أو أي جماعة أخرى. فالعراق عرف، وما زال يعرف، تيارات وطنية ومدنية وقوى وشخصيات عارضت أشكال التبعية المختلفة، كما أن الموقف من أمريكا وإيران ليس موقفًا طائفيًا بسيطًا يمكن اختزاله في معادلة مذهبية.
المشكلة الأعمق ليست في مذهب العراقي، بل في علاقته بالسلطة وبالدولة وبالخارج.
فحين يصبح الولاء السياسي مرتبطًا بعاصمة أجنبية، وحين يتحول السلاح إلى أداة فوق الدولة، وحين تصبح الزعامة السياسية أو الدينية أو الحزبية بديلًا عن المؤسسات، يصبح المواطن أسيرًا لمنطق الوصاية، مهما كان اسم الوصي.
وهنا يمكن فهم المأساة العراقية بعيدًا عن الشعارات.
أمريكا غادرت عسكريًا.
لكنها لم تغادر كل أدوات النفوذ.
وإيران لم تحتل العراق عسكريًا، لكنها راكمت نفوذًا سياسيًا وأمنيًا عميقًا.
والنتيجة أن العراق يقف أمام امتحان تاريخي جديد:
هل يستطيع أن يتحول من ساحة للصراع بين الآخرين إلى دولة تصوغ علاقتها بالآخرين وفق مصالحها هي؟
ذلك هو السؤال الحقيقي بعد خروج القوات الأميركية.
فليس الانتصار أن تخرج أمريكا وحدها.
وليس الانتصار أن تتراجع إيران وحدها.
وليس الاستقلال أن نستبدل سيدًا بسيد.
الاستقلال أن لا يكون للعراق سيد.
أن يكون سلاحه للدولة، وثروته للدولة، وقرار الحرب والسلم للدولة، وعلاقاته الخارجية للدولة، وأن تكون المرجعية الأخيرة في الشأن العام هي مؤسسات الدولة وإرادة مواطنيها، لا سفارة أجنبية، ولا ميليشيا، ولا حزبًا عابرًا للحدود، ولا زعيمًا يختصر الوطن في شخصه.
عندها فقط يستطيع العراقي أن يجيب عن السؤال بثقة:
نعم، غادرت أمريكا.
نعم، خرج الإيراني.
نعم، انتهت الوصاية.
لأن العراق، قبل كل شيء، خرج من حاجته إلى الوصي.
وإلا فإن مغادرة الجندي لا تعني بالضرورة مغادرة الاحتلال؛ فقد يغادر الجندي، ويبقى النفوذ، وتبقى الوكالة، وتبقى التبعية، ويبقى المواطن ينتظر سيدًا جديدًا يَعِده بالأمن، فيما يظل عاجزًا عن بناء الدولة التي تمنحه الأمن والحرية والاستقلال.












