قاسم، بين الكنة والجارة... طويلة على رقبتكم!
غسان بركات
23 كانون الثاني 2026
بين تردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تارةً تحت التهديد والوعيد بضرب إيران أو عدم ضربها، وطورًا بحوار الطرشان معها ضمن شروط الاستسلام، وعلى ضوء همروجة إنهاء عقود من الكراهية وسفك الدماء في الشرق الأوسط والعالم، والتي تُرجمت بإطلاق خطته للاستحواذ على جزيرة غرينلاند عنوةً من أحضان الدنمارك في مؤتمر دافوس، وعلى وقع وعده للبنان بانتظار ما سيفعله من أجله، تمامًا كما صرّح قائلًا: «سأفعل شيئًا من أجل لبنان»، وعلى إيقاع عدم تسليم السلاح شمال الليطاني على مبدأ المثل الشعبي: «سمعي يا جارة لتسمع الكنة»، بعدما أطلق أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم محاضرًا في خطابه الأخير عالي النبرة عن ممارسة الحياة السياسية والديمقراطية، والتي تُرجمت بالتهديدات والعنتريات، وبشكل مباشر إلى وزير خارجية لبنان يوسف رجّي، وبنفس الوقت قاصدًا وملوّحًا إلى رئيس الجمهورية دون أن يسميه، وإلى كل من يهمه الأمر في الجمهورية اللبنانية، معبرًا بلغة العنجهية والغرور وأوهام القوة الفارغة قائلًا: «طويلة على رقبتكم».
«طويلة على رقبتكم»، هذا التعبير الذي استعمله قاسم ضد الجمهورية اللبنانية، قاصدًا به عدم تسليم السلاح المتواجد شمال الليطاني، لكن الناطق العسكري للجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي راق له هذا التعبير، فطبّقه على أرض الواقع، وذلك بعد توجيه إنذارات إلى مبانٍ في بلدات جنوبية عدة تقع شمال الليطاني، تحوي عتادًا وأسلحة تابعة لحزب الله بحسب زعمه، بضرورة إخلائها فورًا على مسافة 300 متر، بعدما قامت المقاتلات الإسرائيلية بتدميرها لاحقًا، ولا سيما أن تلك الضربات جاءت بعيد ساعات من شنّ المسيّرات ضربات صباحية على سيارتين استهدفتا عنصرين من حزب الله الإيراني.
لكن حزب الله لم يستكن للاعتداءات الإسرائيلية، وبهدف التعويض عن الإذلال اليومي الذي تمارسه إسرائيل عليه، كان ردّه حاسمًا هذه المرة، وذلك بعد شدّ عصب بيئته الحاضنة وأنصاره الرعاع، بعد استنفارهم في شوارع الضاحية مردّدين لغتهم السوقية المعتادة من هتافات تافهة وسيئة، بعد التطاول بتعابير حقيرة مثل مطلقيها على رئيس الجمهورية اللبنانية، وذلك بعد تمجيدهم للرئيس الطاغي المخلوع هو ونظامه البائد بشار الأسد.
هذه الهجمة على الدولة اللبنانية، وتحديدًا على رئيس الجمهورية، التي يمارسها حزب الله الإيراني وأمينه العام نعيم قاسم، هي دلالة على أن هذا الحزب وأمينه العام يعانون حالة إنكار للواقع المرير الحقيقي الذي فرضه غباؤهم الاستراتيجي بخوض حرب «الإسناد» التي سببت لهم هزيمة مؤلمة، بعدما أخرجتهم من المعادلة العسكرية والأمنية وحتى السياسية في لبنان، لتكتمل تلك الهزيمة بهزيمة أكبر في الداخل السوري بعد طرد الحزب من هناك، ما سبّب لحزب الله الإيراني وأمينه العام تخبّطًا واضطرابًا في عقليتهم الوطنية والسياسية، وبخاصة بعد شعورهم بالغضب المخفي والناتج عن قلق على مصير مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي أصبح في موقع لا يُحسد عليه والآيل للسقوط، لكنها مسألة وقت ليس إلا، وذلك بالمثل الشعبي القائل: «ما تهزّو واقف ع شوار».
حزب الله الإيراني الذي اعتاد، بعد عقود من الزمن، مصادرة مساحة شاسعة من قرارات الجمهورية اللبنانية، بعد تسطيره صفحات بيانات بعبدا والسراي وحتى البرلمانية بالإملاءات الفارسية، ثم يترجمها بحبر اللغة العربية في الضاحية الجنوبية، تحت ظلال بؤس المعادلة الخشبية الانعزالية «جيش وشعب ومقاومة»، وحصرية قرار الحرب والسلام بيده.
اليوم، لم يعد هذا الحزب يمتلك تلك المساحة في صفحات بعبدا والسراي، بعدما باتت لغة القصر، مع تولي الرئيس جوزاف عون السدة الرئاسية، سيادية لبنانية، تُصاغ من الدستور وإرادة اللبنانيين التوّاقين للعيش في وطنٍ سليمٍ معافى، سيادته مصونة شاء من شاء وأبى من أبى.
أخيرًا، خطاب الشيخ نعيم قاسم دليل إفلاس سياسي وعسكري ومالي وعلى كل المستويات، وما تطرّق إليه قاسم خلال خطابه هو كلام خارج عن أدبيات السياسة بحق الجمهورية اللبنانية، وهو افتراءات لا تجدي نفعًا. وبسبب سياسة الولاء لإيران وتنفيذ أجندة مصالحها القومية التي يتبعها هو وحزبه، دُمّر لبنان واحتُلّ الجنوب من جديد، وأصبح الوطن في أزمة نزوح وتهجير أيضًا من جديد، وذلك بسبب حزب الله الإيراني الذي بنى دويلته الخارجة عن القانون على أكتاف الوطن والسيادة والشعب. لكن اليوم، وبعد الانهيارات المتتالية التي ابتُلي بها الحزب بسبب...، وضمن الذاكرة إلى الوراء بمشهد صورة المقاومة الفلسطينية التي لفظت أنفاسها الأخيرة عام 1982، أرى اليوم حزب الله الإيراني داخل تلك الصورة، وما هي إلا مسألة وقت ويصبح في كتب التاريخ المنسية.
قاسم، بين الكنة والجارة... طويلة على رقبتكم!
غسان بركات
23 كانون الثاني 2026
بين تردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تارةً تحت التهديد والوعيد بضرب إيران أو عدم ضربها، وطورًا بحوار الطرشان معها ضمن شروط الاستسلام، وعلى ضوء همروجة إنهاء عقود من الكراهية وسفك الدماء في الشرق الأوسط والعالم، والتي تُرجمت بإطلاق خطته للاستحواذ على جزيرة غرينلاند عنوةً من أحضان الدنمارك في مؤتمر دافوس، وعلى وقع وعده للبنان بانتظار ما سيفعله من أجله، تمامًا كما صرّح قائلًا: «سأفعل شيئًا من أجل لبنان»، وعلى إيقاع عدم تسليم السلاح شمال الليطاني على مبدأ المثل الشعبي: «سمعي يا جارة لتسمع الكنة»، بعدما أطلق أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم محاضرًا في خطابه الأخير عالي النبرة عن ممارسة الحياة السياسية والديمقراطية، والتي تُرجمت بالتهديدات والعنتريات، وبشكل مباشر إلى وزير خارجية لبنان يوسف رجّي، وبنفس الوقت قاصدًا وملوّحًا إلى رئيس الجمهورية دون أن يسميه، وإلى كل من يهمه الأمر في الجمهورية اللبنانية، معبرًا بلغة العنجهية والغرور وأوهام القوة الفارغة قائلًا: «طويلة على رقبتكم».
«طويلة على رقبتكم»، هذا التعبير الذي استعمله قاسم ضد الجمهورية اللبنانية، قاصدًا به عدم تسليم السلاح المتواجد شمال الليطاني، لكن الناطق العسكري للجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي راق له هذا التعبير، فطبّقه على أرض الواقع، وذلك بعد توجيه إنذارات إلى مبانٍ في بلدات جنوبية عدة تقع شمال الليطاني، تحوي عتادًا وأسلحة تابعة لحزب الله بحسب زعمه، بضرورة إخلائها فورًا على مسافة 300 متر، بعدما قامت المقاتلات الإسرائيلية بتدميرها لاحقًا، ولا سيما أن تلك الضربات جاءت بعيد ساعات من شنّ المسيّرات ضربات صباحية على سيارتين استهدفتا عنصرين من حزب الله الإيراني.
لكن حزب الله لم يستكن للاعتداءات الإسرائيلية، وبهدف التعويض عن الإذلال اليومي الذي تمارسه إسرائيل عليه، كان ردّه حاسمًا هذه المرة، وذلك بعد شدّ عصب بيئته الحاضنة وأنصاره الرعاع، بعد استنفارهم في شوارع الضاحية مردّدين لغتهم السوقية المعتادة من هتافات تافهة وسيئة، بعد التطاول بتعابير حقيرة مثل مطلقيها على رئيس الجمهورية اللبنانية، وذلك بعد تمجيدهم للرئيس الطاغي المخلوع هو ونظامه البائد بشار الأسد.
هذه الهجمة على الدولة اللبنانية، وتحديدًا على رئيس الجمهورية، التي يمارسها حزب الله الإيراني وأمينه العام نعيم قاسم، هي دلالة على أن هذا الحزب وأمينه العام يعانون حالة إنكار للواقع المرير الحقيقي الذي فرضه غباؤهم الاستراتيجي بخوض حرب «الإسناد» التي سببت لهم هزيمة مؤلمة، بعدما أخرجتهم من المعادلة العسكرية والأمنية وحتى السياسية في لبنان، لتكتمل تلك الهزيمة بهزيمة أكبر في الداخل السوري بعد طرد الحزب من هناك، ما سبّب لحزب الله الإيراني وأمينه العام تخبّطًا واضطرابًا في عقليتهم الوطنية والسياسية، وبخاصة بعد شعورهم بالغضب المخفي والناتج عن قلق على مصير مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي أصبح في موقع لا يُحسد عليه والآيل للسقوط، لكنها مسألة وقت ليس إلا، وذلك بالمثل الشعبي القائل: «ما تهزّو واقف ع شوار».
حزب الله الإيراني الذي اعتاد، بعد عقود من الزمن، مصادرة مساحة شاسعة من قرارات الجمهورية اللبنانية، بعد تسطيره صفحات بيانات بعبدا والسراي وحتى البرلمانية بالإملاءات الفارسية، ثم يترجمها بحبر اللغة العربية في الضاحية الجنوبية، تحت ظلال بؤس المعادلة الخشبية الانعزالية «جيش وشعب ومقاومة»، وحصرية قرار الحرب والسلام بيده.
اليوم، لم يعد هذا الحزب يمتلك تلك المساحة في صفحات بعبدا والسراي، بعدما باتت لغة القصر، مع تولي الرئيس جوزاف عون السدة الرئاسية، سيادية لبنانية، تُصاغ من الدستور وإرادة اللبنانيين التوّاقين للعيش في وطنٍ سليمٍ معافى، سيادته مصونة شاء من شاء وأبى من أبى.
أخيرًا، خطاب الشيخ نعيم قاسم دليل إفلاس سياسي وعسكري ومالي وعلى كل المستويات، وما تطرّق إليه قاسم خلال خطابه هو كلام خارج عن أدبيات السياسة بحق الجمهورية اللبنانية، وهو افتراءات لا تجدي نفعًا. وبسبب سياسة الولاء لإيران وتنفيذ أجندة مصالحها القومية التي يتبعها هو وحزبه، دُمّر لبنان واحتُلّ الجنوب من جديد، وأصبح الوطن في أزمة نزوح وتهجير أيضًا من جديد، وذلك بسبب حزب الله الإيراني الذي بنى دويلته الخارجة عن القانون على أكتاف الوطن والسيادة والشعب. لكن اليوم، وبعد الانهيارات المتتالية التي ابتُلي بها الحزب بسبب...، وضمن الذاكرة إلى الوراء بمشهد صورة المقاومة الفلسطينية التي لفظت أنفاسها الأخيرة عام 1982، أرى اليوم حزب الله الإيراني داخل تلك الصورة، وما هي إلا مسألة وقت ويصبح في كتب التاريخ المنسية.











