وبعدما ولّى زمن اختراع المعنويات للانتصارات الخنفوشارية، ونفاق الهلوسات لملاحم البطولات الوهمية، وسرديات محور الممانعة الرجعية: «سندخل إلى الجليل»، و«إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، والتي ترجمتها إسرائيل على أرض الواقع بالإنجاز العسكري الذي حققته في مرتفعات عليّ الطاهر، والتي قدّمتها ميليشيا حزب الله الإيراني لها على طبق من ذهب، بعدما تسببت، على أرض الواقع، بعد الخيام وبنت جبيل وقلعة الشقيف، بضربة عسكرية ومعنوية قاسمة وقوية لجبهة الممانعة، المتمثلة بميليشيا حزب الله الإيراني ومن ورائها عصابات الحرس الثوري، لتُضاف إلى رصيدهم الغني بسلسلة الهزائم التي تلقوها منذ حربي الإسناد.
وفي موازاة هذا المشهد، وعلى وقع ترحيل الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى شهر تشرين الأول، وعلى أوتار وألحان أغنية السيدة فيروز «ما في حدا لا تندهي ما في حدا»، يُلاحظ غياب ما تبقّى من قادة وعناتر ميليشيا محور المقاومة عن حاستي السمع والبصر، وعلى رأسهم أمين عام أسطورة السرديات الكربلائية، الحكواتي الشيخ نعيم قاسم، وذلك بسبب انشغاله بالتفرّغ لكتابة قصص خيالية من وحي انتصارات الإسنادين الأخيرين.
وبالتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية على قرى الجنوب، حطّ قطار العهد رحاله في مدينة النبطية، وبعدها في بلدة زوطر الغربية، بعدما قام فخامة الرئيس العماد جوزاف عون، باكر السبت الماضي، بزيارة مفاجئة لمدينة النبطية. وتأتي هذه الزيارة بعد أيام من إطلاق أهالي المدينة نداءات يطالبون فيها الدولة والجيش بالانتشار في مدينة النبطية وحماية الأهالي.
هذه الزيارة التي قام بها الرئيس عون، برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنية، طغى عليها الطابع الشعبي والعفوي، حيث التقى الرئيس عون عددًا من أهالي مدينة النبطية الذين استقبلوه وحدّثوه عن هواجسهم ورغبتهم في البقاء تحت حماية الدولة، ليردّ رئيس الجمهورية برسالة اطمئنان ودعم لأهل الجنوب للعيش بأمان، قائلًا: «الدولة كلها إلى جانبكم، ولن نترككم أبدًا»، مشدّدًا على «أن انسحاب إسرائيل وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار هي بمثابة ثوابت وطنية تلتزم الدولة العمل على تنفيذها».
ولكن هذه الزيارة، وباعتقادي، لم ترق لميليشيا حزب الله الإيراني ولا لعصابات الحرس الثوري، فزيارته هذه لمدينة النبطية جاءت لتعزّز وتثبت حضور الدولة على أرض الجنوب، ولتشكّل أيضًا رسالة واضحة إلى من يهمه الأمر، بأنه لا مكان للسلاح غير الشرعي على أرض الجنوب سوى سلاح الشرعية، شاء من شاء وأبى من أبى، وبأن الدولة أيضًا حاضرة لحماية الجنوب وأهله، وحماية كل لبنان وصون سيادته.
وهذا ما شكّل استفزازًا لحزب الله الإيراني وأبواق أتباعه المناصرين الرعاع، الذين حاولوا التقليل من أهمية زيارة الرئيس، بعدما شنّوا عليه وعلى الوفد الرئاسي والأمني المرافق هجومًا عنيفًا بعبارات خارجة عن الأدب السياسي، لا ترتقي إلا إلى مستوى الانحطاط، وعلى رأسهم مختار مدينة النبطية، حيث كتب معلّقًا على الزيارة: «… فخامة الرئيس، أنت حاكم لكل لبنان… للأسف، زيارتك الخاطفة لمدينة النبطية في الصباح الباكر، كنا نأمل أن تكون في وقت متأخر من النهار لكي تسمع معاناة وشكاوى الناس وتبلسم جراحهم، إلا أن هذه الزيارة لا قيمة لها سوى عرض العضلات على الإعلام، مع فائق المحبة والتقدير».
حبذا لو خطا دولةُ الرئيس نبيه بري، قبلًا، خطوة رئيس الجمهورية، وقام بزيارة إلى مناطق الجنوب، يقف فيها على معاناة وآلام الجنوبيين، ويتفقّد أحوالهم وحاجاتهم، بعدما تُركوا وحدهم في العراء يواجهون المصير المجهول، بدل التنظير لمنظومة السياسات الخاطئة والفاشلة التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.
ختامًا، واستطرادًا، يصادف اليوم الذكرى السنوية الرابعة والأربعين لاغتيال حلم لبنان، الرئيس بشير الجميل؛ بشير الذي طالب، بُعيد انتخابه رئيسًا للجمهورية، التنظيمات المسيحية المسلحة، وعلى رأسها القوات اللبنانية، بضرورة تسليم سلاحها إلى الدولة والانضواء تحت إمرتها.
وفي خطاب القسم الذي أعدّه، كان كلامه واضحًا عن الدستور والقانون، ومطالبته بسيادة لبنان على مساحة 10,452 كلم²، وألّا يكون في لبنان إلا دولة قانون وجيش واحد، واستقلال لبنان وسلامة أراضيه، وأن يكون لبنان لجميع أبنائه، وأن تكون مؤسسات الشرعية أقوى من أي زعيم وأي حزب أو أي طائفة.
إلا أن يد الغدر والخيانة، التي كانت تدور في فلك الممانعة القادمة من سوريا حافظ الأسد، كانت أقوى، فاغتالت حلم لبنان، وانتهى مشوار الوطن والسيادة بين أنياب الوصاية والجهل والتبعية.












