هل سيفرض حزب الله التطبيع مع إسرائيل على الدولة اللبنانية؟
المفارقة التي يعيشها لبنان اليوم قاسية:
الجهة التي رفعت لعقود شعار “المقاومة ورفض التطبيع” قد تكون عملياً هي التي تدفع لبنان إلى حافة تطبيعٍ مفروض مع إسرائيل.
فالدولة اللبنانية الرسمية ما زالت تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وترفض الاعتراف بها أو التطبيع معها. لكن في المقابل، فإن وجود سلاح خارج سلطة الدولة، بيد حزب الله، جعل لبنان مراراً يدخل حروباً لم تقررها مؤسساته الدستورية.
• لبنان الرسمي وسياسة “ربط النزاع”
رغم حالة العداء مع إسرائيل، اعتمدت الدولة اللبنانية لعقود سياسة واقعية تقوم على إدارة الصراع ومنع الحرب الشاملة، وهو ما يشبه ما يُعرف سياسياً بـ“ربط النزاع”.
• سلاح حزب الله والقرارات الدولية
في عام 2004 صدر قرار مجلس الأمن 1559 الذي دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها.
غير أن حزب الله رفض التخلي عن سلاحه، ما أبقى قرار الحرب عملياً خارج مؤسسات الدولة.
وبعد حرب تموز 2006 صدر قرار مجلس الأمن 1701 الذي كرّس عملياً هذه المعادلة: وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني وقوات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الجنوب لضبط الحدود.
لكن هذا التوازن كان يفترض شرطاً أساسياً: أن يكون قرار الحرب بيد الدولة اللبنانية.
• حرب 2023–2024: كسر التوازن
في 8 تشرين الأول 2023 فتح الحزب الجبهة الجنوبية مع إسرائيل تحت عنوان حرب الإسناد لغزة، من دون قرار من الدولة اللبنانية.
هذه الحرب استمرت أكثر من عام وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، لكنها خلّفت أضراراً كبيرة على لبنان الذي كان أصلاً يعيش أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه.
ومن أبرز نتائجها:
• أكثر من 1640 شهيداً.
• آلاف الجرحى.
• تدمير واسع في القرى الحدودية في الجنوب.
• نزوح عشرات آلاف اللبنانيين من منازلهم لأشهر طويلة.
• خسائر اقتصادية كبيرة في الزراعة والسياحة والتجارة.
• زيادة الضغط على دولة تعاني أصلاً من انهيار مالي وأزمة معيشية حادة.
أي أن لبنان دفع كلفة حرب لم يقررها.
• بعد الحرب: اتفاق لم يُنفذ
بعد وقف إطلاق النار، تشكّلت لجنة دولية “الميكانيزم” لمتابعة تنفيذ الاتفاق وتطبيق القرارين 1559 و1701.
وخلال عام 2025 كثّف المبعوث الأميركي Tom Barrack زياراته إلى بيروت حاملاً رسالة واضحة:
لا استقرار في لبنان من دون حصر السلاح بيد الدولة.
لكن رغم الضغوط الدولية، لم يسلّم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني، بل عمل على إعادة تنظيم صفوفه العسكرية وضمّ عناصر وفلول من النظام السوري الأسدي المنهار الذين فرّوا من سوريا إلى صفوفه.
ومع تعثّر تنفيذ الاتفاق، تصاعدت التحذيرات الدولية من عودة الحرب.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى لبنان في تشرين الأول 2025، حيث ترافقت مع ضغوط دولية متزايدة لتثبيت الاستقرار ومنع انفجار الجبهة الجنوبية.
وبعد مغادرة البابا لبنان، ومع تصاعد التهديدات بعمل عسكري جديد، قررت السلطات اللبنانية تعديل تركيبة الوفد اللبناني في لجنة الميكانيزم، حيث تمّت إضافة عضو مدني إلى الوفد المفاوض إلى جانب العسكريين، في محاولة لإعطاء المفاوضات بُعداً سياسياً أوسع.
• وصولاً إلى حرب 2026 لإسناد إيران
مع تصاعد التوترات الإقليمية، عاد الحزب ليطلق 6 صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل إسناداً لإيران التي تتعرض لهجوم مشترك من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ورداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما أدى إلى انفجار الجبهة مجدداً.
وهنا تبيّن مرة أخرى أن:
• جنوب الليطاني لم يكن خالياً من سلاح الحزب كما ينص القرار 1701.
• قرار الحرب لا يزال خارج سلطة الدولة اللبنانية.
وبذلك انهارت عملياً سياسة “ربط النزاع” التي حاولت الدولة اللبنانية الحفاظ عليها لسنوات.
• لبنان بين الحرب أو التسوية
فرنسا التي بادرت بالدخول في وساطة بين لبنان وإسرائيل نقلت شرطاً إسرائيلياً أساسياً لوقف إطلاق النار:
تسليم سلاح حزب الله للدولة اللبنانية بشكل فوري.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
هل يمكن أن يتحول وقف إطلاق النار في لبنان إلى اتفاق سلام مع إسرائيل؟
ومع ازدياد التصعيد من قبل العدو الإسرائيلي أعلن كل من رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة اللبناني القاضي نواف سلام موافقتهما على التفاوض مع إسرائيل خارج الميكانيزم بشكل مباشر، شريطة وقف إطلاق النار.
• الخلاصة
الدولة اللبنانية لم تكن يوماً في مسار تطبيع مع إسرائيل، بل تعتبرها دولة عدوة.
لكن استمرار السلاح خارج الدولة، وجرّ لبنان إلى حروب متكررة، قد يدفع المجتمع الدولي في النهاية إلى فرض تسوية لا تشبه ما يريده اللبنانيون.
والمفارقة أن الجهة التي رفعت شعار مقاومة التطبيع قد تكون، بسياساتها وحروبها، هي التي تدفع لبنان إلى حافته.

كتب محمد زكريا الدهيبي: هل سيفرض حزب الله التطبيع مع إسرائيل على الدولة اللبنانية؟
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب محمد زكريا الدهيبي: هل سيفرض حزب الله التطبيع مع إسرائيل على الدولة اللبنانية؟
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
هل سيفرض حزب الله التطبيع مع إسرائيل على الدولة اللبنانية؟
المفارقة التي يعيشها لبنان اليوم قاسية:
الجهة التي رفعت لعقود شعار “المقاومة ورفض التطبيع” قد تكون عملياً هي التي تدفع لبنان إلى حافة تطبيعٍ مفروض مع إسرائيل.
فالدولة اللبنانية الرسمية ما زالت تعتبر إسرائيل دولة عدوة، وترفض الاعتراف بها أو التطبيع معها. لكن في المقابل، فإن وجود سلاح خارج سلطة الدولة، بيد حزب الله، جعل لبنان مراراً يدخل حروباً لم تقررها مؤسساته الدستورية.
• لبنان الرسمي وسياسة “ربط النزاع”
رغم حالة العداء مع إسرائيل، اعتمدت الدولة اللبنانية لعقود سياسة واقعية تقوم على إدارة الصراع ومنع الحرب الشاملة، وهو ما يشبه ما يُعرف سياسياً بـ“ربط النزاع”.
• سلاح حزب الله والقرارات الدولية
في عام 2004 صدر قرار مجلس الأمن 1559 الذي دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها.
غير أن حزب الله رفض التخلي عن سلاحه، ما أبقى قرار الحرب عملياً خارج مؤسسات الدولة.
وبعد حرب تموز 2006 صدر قرار مجلس الأمن 1701 الذي كرّس عملياً هذه المعادلة: وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني وقوات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في الجنوب لضبط الحدود.
لكن هذا التوازن كان يفترض شرطاً أساسياً: أن يكون قرار الحرب بيد الدولة اللبنانية.
• حرب 2023–2024: كسر التوازن
في 8 تشرين الأول 2023 فتح الحزب الجبهة الجنوبية مع إسرائيل تحت عنوان حرب الإسناد لغزة، من دون قرار من الدولة اللبنانية.
هذه الحرب استمرت أكثر من عام وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، لكنها خلّفت أضراراً كبيرة على لبنان الذي كان أصلاً يعيش أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه.
ومن أبرز نتائجها:
• أكثر من 1640 شهيداً.
• آلاف الجرحى.
• تدمير واسع في القرى الحدودية في الجنوب.
• نزوح عشرات آلاف اللبنانيين من منازلهم لأشهر طويلة.
• خسائر اقتصادية كبيرة في الزراعة والسياحة والتجارة.
• زيادة الضغط على دولة تعاني أصلاً من انهيار مالي وأزمة معيشية حادة.
أي أن لبنان دفع كلفة حرب لم يقررها.
• بعد الحرب: اتفاق لم يُنفذ
بعد وقف إطلاق النار، تشكّلت لجنة دولية “الميكانيزم” لمتابعة تنفيذ الاتفاق وتطبيق القرارين 1559 و1701.
وخلال عام 2025 كثّف المبعوث الأميركي Tom Barrack زياراته إلى بيروت حاملاً رسالة واضحة:
لا استقرار في لبنان من دون حصر السلاح بيد الدولة.
لكن رغم الضغوط الدولية، لم يسلّم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني، بل عمل على إعادة تنظيم صفوفه العسكرية وضمّ عناصر وفلول من النظام السوري الأسدي المنهار الذين فرّوا من سوريا إلى صفوفه.
ومع تعثّر تنفيذ الاتفاق، تصاعدت التحذيرات الدولية من عودة الحرب.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى لبنان في تشرين الأول 2025، حيث ترافقت مع ضغوط دولية متزايدة لتثبيت الاستقرار ومنع انفجار الجبهة الجنوبية.
وبعد مغادرة البابا لبنان، ومع تصاعد التهديدات بعمل عسكري جديد، قررت السلطات اللبنانية تعديل تركيبة الوفد اللبناني في لجنة الميكانيزم، حيث تمّت إضافة عضو مدني إلى الوفد المفاوض إلى جانب العسكريين، في محاولة لإعطاء المفاوضات بُعداً سياسياً أوسع.
• وصولاً إلى حرب 2026 لإسناد إيران
مع تصاعد التوترات الإقليمية، عاد الحزب ليطلق 6 صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل إسناداً لإيران التي تتعرض لهجوم مشترك من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ورداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما أدى إلى انفجار الجبهة مجدداً.
وهنا تبيّن مرة أخرى أن:
• جنوب الليطاني لم يكن خالياً من سلاح الحزب كما ينص القرار 1701.
• قرار الحرب لا يزال خارج سلطة الدولة اللبنانية.
وبذلك انهارت عملياً سياسة “ربط النزاع” التي حاولت الدولة اللبنانية الحفاظ عليها لسنوات.
• لبنان بين الحرب أو التسوية
فرنسا التي بادرت بالدخول في وساطة بين لبنان وإسرائيل نقلت شرطاً إسرائيلياً أساسياً لوقف إطلاق النار:
تسليم سلاح حزب الله للدولة اللبنانية بشكل فوري.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:
هل يمكن أن يتحول وقف إطلاق النار في لبنان إلى اتفاق سلام مع إسرائيل؟
ومع ازدياد التصعيد من قبل العدو الإسرائيلي أعلن كل من رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة اللبناني القاضي نواف سلام موافقتهما على التفاوض مع إسرائيل خارج الميكانيزم بشكل مباشر، شريطة وقف إطلاق النار.
• الخلاصة
الدولة اللبنانية لم تكن يوماً في مسار تطبيع مع إسرائيل، بل تعتبرها دولة عدوة.
لكن استمرار السلاح خارج الدولة، وجرّ لبنان إلى حروب متكررة، قد يدفع المجتمع الدولي في النهاية إلى فرض تسوية لا تشبه ما يريده اللبنانيون.
والمفارقة أن الجهة التي رفعت شعار مقاومة التطبيع قد تكون، بسياساتها وحروبها، هي التي تدفع لبنان إلى حافته.











