من السراي الحكومي إلى طرابلس .. تواصل سعودي مع الدولة والقيادات السياسية والمرجعيات الدينية ، بالتوازي مع عودة الملفات الاقتصادية إلى واجهة العلاقة السعودية ـ اللبنانية
في السياسة ، لا تقاس دلالة التحركات الدبلوماسية بعدد اللقاءات ، بل بخريطة التواصل واتساعها وتنوعها ، وبالملفات التي تتحرك بالتوازي معها . ومن هذه الزاوية ، تبدو التحركات السعودية الأخيرة في لبنان أبعد من نشاط دبلوماسي اعتيادي .
فمن السراي الحكومي ، حيث التقى السفير السعودي في لبنان فهد بن عبدالرحمن الدوسري رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في لقاء سابق ، قبل أن يعود اليوم إلى السراي في لقاء جديد لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك والبناء ، إلى سلسلة لقاءاته السياسية ، وصولا إلى طرابلس ومرجعياتها الدينية والاجتماعية ، تتشكل صورة لتحرك سعودي متعدد المسارات .
السراي .. الدولة في صدارة العلاقة
تكرار اللقاء بين الدوسري ونواف سلام يؤكد أهمية القناة الرسمية في إدارة العلاقة السعودية ـ اللبنانية ، ويعكس استمرار التواصل مع الحكومة اللبنانية باعتبار الدولة ومؤسساتها الإطار الطبيعي للتعاون بين البلدين .
كما أن اتساع دائرة اللقاءات السياسية يلفت الانتباه ؛ إذ التقى الدوسري نجيب ميقاتي ، جبران باسيل ، سامي الجميل ، اللواء أشرف ريفي ، الدكتور فؤاد مخزومي ، وليد جنبلاط ، والدكتور سمير جعجع ، إلى جانب عدد من الوزراء السابقين .
وتنوع هذه اللقاءات يجعل من الصعب اختزال التحرك في اصطفاف سياسي واحد ، ويعكس انفتاحا على قراءات لبنانية متعددة للتطورات الداخلية والإقليمية .
طرابلس .. من السياسة إلى المجتمع
امتد التحرك إلى طرابلس ، حيث التقى الدوسري فيصل كرامي ، رئيس تيار الكرامة ، والنائب كريم كبارة ، وأدى الصلاة في مسجد الوفاء ، والتقى مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام في دار الفتوى .
كما شملت لقاءاته أمين الفتوى الشيخ بلال بارودي ، ومدير الأوقاف الشيخ بسام البستاني ، ومطران طرابلس للروم الأرثوذكس أفرام كرياكوس ، وممثلين عن مطرانيتي الموارنة والروم الملكيين ، إلى جانب المجلس العلوي .
وهذا الحضور يؤكد أن التواصل السعودي لم يكن سياسيا فقط ، بل امتد إلى مكونات دينية واجتماعية متعددة .
الإنسان والاقتصاد .. الاختبار الحقيقي
يحضر البعد التنموي والإنساني أيضا ؛ ففي مستشفى طرابلس الحكومي افتتح في تموز الماضي قسم جديد للطوارئ ومركز للرعاية الصحية الأولية بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية ، وبالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية وتنفيذ اللجنة الدولية للصليب الأحمر .
اقتصاديا ، يمثل استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية بعد توقف قرابة خمس سنوات ، ووصول أولى الحاويات اللبنانية إلى جدة ، مؤشرا مهما على عودة التواصل التجاري .
كما شارك الدوسري في اجتماع موسع في السراي الحكومي حول السياحة باعتبارها محركا للتعافي واستعادة الثقة والاستثمار .
لكن نجاح هذه المرحلة لن يقاس باللقاءات وحدها ، بل بقدرة لبنان على توفير الاستقرار والإصلاح والبيئة المؤسسية التي تسمح بعودة التجارة والاستثمار والسياحة بصورة مستدامة .
الصورة الأوسع
يمكن قراءة التحرك السعودي عبر أربعة مسارات متوازية : تواصل رسمي مع الحكومة ، وانفتاح على قوى سياسية متعددة ، وحضور ديني واجتماعي في طرابلس ، وتحرك اقتصادي وتنموي وإنساني .
وهذه التعددية هي أبرز ما يستحق التوقف عنده ؛ فالتحرك لا يبدو موجها إلى طرف لبناني واحد ، بل إلى لبنان بمؤسساته وقواه ومكوناته المختلفة .
ومن المبكر اعتبار ذلك تحولا نهائيا في العلاقة ، فالسياسة تقاس بالنتائج . لكن المؤشرات الحالية توحي باختبار شكل جديد من العلاقة ، يقوم على التواصل المباشر ، واحترام مؤسسات الدولة ، وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي .
من زاوية متابع عربي للشأن اللبناني
كقارئ عربي للمشهد اللبناني ، أرى أن الأهم في التحرك السعودي ليس لقاء بعينه ، وإنما اتساع خريطة التواصل نفسها .
فالرياض تتواصل مع الدولة ، وقوى سياسية متباينة ، ومرجعيات دينية واجتماعية ، ومدينة طرابلس ، بالتوازي مع ملفات التجارة والسياحة والاستثمار والتنمية .
وفي النهاية ، فإن الرسالة الأهم ليست في لقاء واحد أو صورة منفردة ، بل في المسار الذي تصنعه اللقاءات مجتمعة . ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة هذا التواصل على إنتاج شراكة عملية تعزز استقرار الدولة والاقتصاد اللبناني ، وتعيد وصل لبنان بمحيطه العربي على أسس مؤسساتية وتنموية أكثر استدامة .








