نهاية إمبراطوريتين معاديتين للعرب: الصهيونية والفارسية القسم الثالث
٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣: بداية التحوّل نحو هزيمة الإمبراطورية الفارسية
بعد سنتين من الحرب التدميرية على غزة، والضربات الإسرائيلية الموجعة لأهم أذرع إيران في محور «المقاومة»، وأعني بذلك حزب الله اللبناني، وسقوط نظام آل الأسد في سوريا، ما أدى إلى إنهاء وجود إيران وأذرعها في سوريا، وبالتالي بداية تقهقر الإمبراطورية الفارسية. ترافق ذلك مع تغيير في الإدارة الأميركية بعودة دونالد ترامب إلى الحكم، وكان في عهده السابق قد سحب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني، ووضع في عهده الجديد تصورًا لاستراتيجية سلام في شرق أوسط جديد وفق مشروعه الإبراهيمي، ما يصطدم بالكامل مع المشروع الإيراني للمنطقة. الأمر الذي دفع إدارة ترامب، بالاتفاق مع تركيا، إلى إنهاء الوجود الإيراني في سوريا وتوجيه ضربة قاصمة لمشروعه التوسعي.
ومع توقيع حزب الله على اتفاق إذعان مع إسرائيل التزم بموجبه، في ٢٧ تشرين الثاني عام ٢٠٢٤، الموافقة على تنفيذ آليات القرار ١٧٠١ بكل مندرجاته، المتضمنة تخلي الحزب عن سلاحه وعن تنظيمه العسكري والأمني وتحوله إلى تنظيم سياسي.
وفي العراق أقرت الحكومة العراقية حل الذراع الإيرانية «الحشد الشعبي».
وكأننا بذلك أمام مشهد يحاكي مشهد انهيار الإمبراطورية السوفياتية. فقد استُنزف الاقتصاد الإيراني بالعقوبات وسباق التسلح، واستُنزف في الميدان السوري ثم خسره بعدما كان يشكل العمود الفقري في مشروعه التوسعي نحو البحر المتوسط. وأصبحت إيران أمام حقيقة التقهقر إلى داخل حدودها.
في ٢٨ شباط ٢٠٢٦ تعرضت إيران إلى هجوم عسكري أميركي – إسرائيلي بعدما فشلت المفاوضات الأميركية الإيرانية في التوصل إلى حل سياسي لمواضيع الملف النووي الإيراني وبرنامجها الصاروخي وتمددها الأمني في الإقليم. وكأن في ذلك تكرارًا لتجربة بن لادن، ولكن هنا المتمرد ليس فردًا، إنما جيش موازٍ للجيش الإيراني يديره العقل الغيبي ومصالح مراكز القوى في الحرس الثوري، الذي نحّى جانبًا من السلطة جميع القيادات الإصلاحية: حسين مير موسوي، محمد خاتمي، حسن روحاني، أحمدي نجاد، محمد جواد ظريف، وقتل رفسنجاني حسب ما تصرح ابنته، واغتال إبراهيم رئيسي، ومنع إبرام اتفاق مع مجموعة «٥+١» ثم مع الأميركيين.
فكان القرار الأميركي بشن عدوان على إيران بمثابة قرار إعدام لنظامها، عبر الإطاحة بالمرشد وقيادته الصلبة في الحرس الثوري بعدما تمردوا على الخيار الذي دعتهم إدارة ترامب إلى انتهاجه بالانفتاح والاندماج بالمجتمع الدولي، بعد انتهاء اللعبة التي أوكلت إلى نظام الملالي في تأمين ظروف «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط، ما مهد الطريق لاحقًا لإطلاق يد أميركا ومعها إسرائيل في الشرق الأوسط.
وفي رد الحرس الثوري على العدوان الأميركي الإسرائيلي، استهدف بـ٨٧٪ من هجماته الصاروخية دول الخليج العربي والأردن، و١٣٪ منها فقط استهدفت إسرائيل. ولا يشفع للحرس الثوري تبريراته بأن استهدافه لبلدان الخليج العربي موجّه ضد القواعد الأميركية فيها، بينما كانت هذه البلدان قد ضغطت على الأميركي لمنعه من إعلان الحرب على إيران، كما منعته من استخدام أجوائها في العدوان عليها. ورغم كل ذلك، كانت معظم الأهداف التي طالتها صواريخ ومسيرات إيران هي محطات الطاقة ومحطات تحلية المياه والمطارات المدنية والفنادق.
هذه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي تعيدني بالذاكرة إلى ما كان قد قاله لي الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن عمق الحقد الفارسي على العرب، وبالتالي فإن هذه الاعتداءات تتجاوز موجبات الميدان. ولمن يريد أن يعرف جذور ذلك الحقد على العرب في الثقافة الإيرانية، أدعوه إلى قراءة أطول ملحمة شعرية فارسية مخصصة لإهانة العرب: «الشاهنامة» للفردوسي، التي كان قد كلفه بإنشائها أحد أباطرة فارس بعد هزيمتهم في حرب القادسية.
وفي موقف مؤسف، يناصر حزب الله في لبنان الإيراني على حساب اللبنانيين والعرب، بعدما انضم، إثر اغتيال المرشد السيد علي خامنئي، إلى جانب إيران في فتح جبهة لبنان في حربها ضد إسرائيل بإدارة وتنسيق كاملين وبشكل مكشوف مع الحرس الثوري، ضاربًا بذلك عرض الحائط موضوع استكمال مندرجات القرار ١٧٠١، وحوّل لبنان، من دون إرادة دولته ولا شعبه، إلى ساحة مواجهة بين إيران وإسرائيل، ويقدم فيها لبنان ضحية واللبنانيين قرابين على مذبح المرشد الجديد.
وقد لا تنتهي هذه المواجهة على أرض لبنان، للأسف، إلا بشروط جديدة لمصلحة إسرائيل على حساب سيادة لبنان وثرواته، أخذًا بعين الاعتبار ميزان القوة الطاغي لمصلحة العدو، باعتراف الشيخ نعيم قاسم نفسه.
ما هي احتمالات مآلات الحرب على مستقبل الشرق الأوسط؟
إن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي دخلت أسبوعها الخامس وما قبل الأخير حسب التصريحات الأميركية، مهما طالت أو قصرت مدتها، سوف تنتهي في النهاية يومًا ما بالتفاوض ضمن احتمالين، حسب ما أعتقد:
أولًا: أن تنتهي كما انتهت حرب الاثني عشر يومًا في حزيران عام ٢٠٢٥، أي ضمن معادلة «رابح – رابح» مع ترجيح ميزان القوة لمصلحة المحور الأميركي الإسرائيلي، ولكن في ظل ظروف تصبح فيها إيران معزولة إقليميًا ودوليًا، خاصة بعد استهداف صواريخها أهدافًا مدنية حيوية في بلدان الخليج وعدد آخر من البلدان المحيطة، وبعد استهدافها لمضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية فيه، وإطلاقها صواريخ بلغ مداها أربعة آلاف كيلومتر، ما أثار قلق القادة الأوروبيين. وفي هذه الحالة ستبقى إيران محاصرة بالعقوبات. وأخذًا بعين الاعتبار التدمير الهائل الذي لحق ببنيتها العسكرية والحيوية واغتيال عدد كبير من قيادات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية، فإن النظام الهش الخارج من الحرب بهذه الحالة سيكون عاجزًا حتمًا عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات شروط البقاء، وبالتالي يصبح انهياره أمرًا محتملًا بعد وقت قصير من وقف القتال. ومن جهة أخرى، في مثل هذه النتيجة سوف يخسر حتمًا أذرعه في لبنان والعراق واليمن، حيث ستُطلق يد إسرائيل لمتابعة حربها على لبنان حتى تفكيك البنية العسكرية والأمنية لحزب الله، حسب ما يصرح به المسؤولون الإسرائيليون، وتتولى الحكومة العراقية أمر الحشد الشعبي كما تشير المعطيات إلى ذلك.
ثانيًا: أن تقدم القيادة الإيرانية على الموافقة على الشروط الأميركية المعلنة مع حفظ ماء وجهها عبر صيغة لإخراج الاتفاق وعدم المس بتركيبة النظام. في هذه الحال سوف تتوقف العقوبات عن إيران، وسوف تشهد إيران بعد ذلك انفراجات اقتصادية باندماجها في المجتمع الدولي، وهي منزوعة من النووي والأذرع وببرنامج صاروخي تحت السيطرة. لتأخذ بعد ذلك الحياة السياسية آلياتها الداخلية في إيران، وليرسم الشعب الإيراني مستقبلًا جديدًا لنظامه ودولته.
تصادم الاستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية بالاستراتيجية الإسرائيلية اليمينية
أو ما يُعرّف بـ«إسرائيل الكبرى»
من نتائج فصول الحروب التي فتحتها عملية «طوفان الأقصى» ما يلي:
١- ظهرت إسرائيل، مدعومة من أميركا، أنها قوة تدميرية هائلة، وهذا ما شهدناه بدءًا من غزة إلى إيران مرورًا بسوريا ولبنان، ولكن هذه القوة التدميرية لم تتحول إلى قوة مهيمنة. فهي تعاني من قلق وجودي في حال تراجع الدعم الأميركي لها. وإن هذا الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل الذي نشهده اليوم سوف يتقلص في المستقبل، حسب اعتقادي، نظرًا للتحولات التي أحدثتها جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية في وعي المجتمع الأميركي والغربي بشكل عام، الرافض للسياسة الصهيونية التي ترعى سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف. وهذا التحول في الوعي، خاصة عند جيل الشباب في الغرب، سوف يترك تأثيره الكبير في المدى غير البعيد عند اختيار السلطات المقبلة في بلدانهم. وسيكون لهذا التحول في سياسة الغرب، التي شهدنا مقدمته في اعتراف أكثر من ١٥٩ دولة، بما في ذلك العديد من الدول الأوروبية، بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، أثر كبير. وتبقى وحدة الموقف الفلسطيني والتزام الدول العربية، وفي مقدمتهم مجلس التعاون الخليجي، بحل الدولتين كشرط للسلام مع دولة إسرائيل هي الضمانة لقيام الدولة الفلسطينية.
٢- الإمبراطورية الصهيونية التي لا يمكن أن تقوم إلا بتفتيت دول المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية قد فشل قيامها في حقبة ما قبل «طوفان الأقصى». ورغم ما قامت به إسرائيل بعد ذلك من بطش وتدمير في عدد من بلدان الشرق الأوسط، إلا أنه حسب اعتقادي سوف تفشل اليوم وفي المستقبل كما فشلت في السابق، لأن مشروعها للتفتيت وتغيير حدود دول المنطقة من أجل شرق أوسط جديد تسيطر هي عليه لإنشاء إمبراطوريتها الصهيونية يصطدم حتمًا باستراتيجية الدولة العميقة في أميركا التي تقضي بعدم تغيير الحدود، كما ترفض الذهاب إلى خيار التفتيت الذي ترغب به إسرائيل. وأكبر مثال على ذلك هو دعم الإدارة الأميركية لحكومة الشرع في سوريا، والضغط على «قسد» للاندماج في النظام، ورفضها ما أراد أن يذهب إليه نتنياهو في تفكيك إيران عبر دعم المكونات الإيرانية غير الفارسية.
فبالنسبة للأميركي، إن تفكيك أي دولة من دول المنطقة سوف يؤدي إلى تفكيك سائر الدول المتعددة الأعراق والطوائف، فتصبح حينئذ مثل لعبة الدومينو، وتندفع الأوضاع فيها نحو فوضى غير مسيطر عليها وتتحول إلى حروب لا نهاية لها، تترك تأثيرها على موارد الطاقة الموجودة في المنطقة وعلى الممرات النفطية البحرية وشبكة المواصلات البرية التي تربط بين ثلاث قارات. فإقفال مضيق هرمز لأسابيع قليلة بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران خير مثال على ذلك، حيث ارتفع سعر برميل النفط من ٦٠ دولارًا إلى ١٢٠ دولارًا، ويكاد استمرار إغلاقه يسبب توترًا دوليًا يزعزع أمن واستقرار المنطقة والعالم، علمًا أن ٢٠٪ من إمدادات الطاقة للعالم تخرج من هذه المنطقة.
٣- بغض النظر عن الشكل الذي ستنتهي فيه هذه الحرب، أستطيع القول، بناءً على النتائج التي ترتبت على المواجهات في مختلف الساحات منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، إن الإمبراطورية الفارسية قد انتهت، وإن إيران تتجه إلى الانكفاء نحو داخل حدودها، مهما يكن شكل النظام السياسي فيها.
٤- إن نتائج هذه الحروب والصورة الجديدة التي سوف ترسو عليها حالة منطقة الشرق الأوسط، وموازين القوى التي ستنجم عن ذلك، سوف تترك تأثيرًا كبيرًا في صيغة بناء النظام العالمي الجديد. وهذه قضية أخرى مهمة جدًا نتركها لبحث مستقبلي.
يوسف مرتضى

كتب يوسف مرتضى:نهاية إمبراطوريتين معاديتين للعرب: الصهيونية والفارسية القسم الثالث

يوسف مرتضى
·6 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب يوسف مرتضى:نهاية إمبراطوريتين معاديتين للعرب: الصهيونية والفارسية القسم الثالث

يوسف مرتضى
·6 د قراءة
تم نسخ الرابط
نهاية إمبراطوريتين معاديتين للعرب: الصهيونية والفارسية القسم الثالث
٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣: بداية التحوّل نحو هزيمة الإمبراطورية الفارسية
بعد سنتين من الحرب التدميرية على غزة، والضربات الإسرائيلية الموجعة لأهم أذرع إيران في محور «المقاومة»، وأعني بذلك حزب الله اللبناني، وسقوط نظام آل الأسد في سوريا، ما أدى إلى إنهاء وجود إيران وأذرعها في سوريا، وبالتالي بداية تقهقر الإمبراطورية الفارسية. ترافق ذلك مع تغيير في الإدارة الأميركية بعودة دونالد ترامب إلى الحكم، وكان في عهده السابق قد سحب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني، ووضع في عهده الجديد تصورًا لاستراتيجية سلام في شرق أوسط جديد وفق مشروعه الإبراهيمي، ما يصطدم بالكامل مع المشروع الإيراني للمنطقة. الأمر الذي دفع إدارة ترامب، بالاتفاق مع تركيا، إلى إنهاء الوجود الإيراني في سوريا وتوجيه ضربة قاصمة لمشروعه التوسعي.
ومع توقيع حزب الله على اتفاق إذعان مع إسرائيل التزم بموجبه، في ٢٧ تشرين الثاني عام ٢٠٢٤، الموافقة على تنفيذ آليات القرار ١٧٠١ بكل مندرجاته، المتضمنة تخلي الحزب عن سلاحه وعن تنظيمه العسكري والأمني وتحوله إلى تنظيم سياسي.
وفي العراق أقرت الحكومة العراقية حل الذراع الإيرانية «الحشد الشعبي».
وكأننا بذلك أمام مشهد يحاكي مشهد انهيار الإمبراطورية السوفياتية. فقد استُنزف الاقتصاد الإيراني بالعقوبات وسباق التسلح، واستُنزف في الميدان السوري ثم خسره بعدما كان يشكل العمود الفقري في مشروعه التوسعي نحو البحر المتوسط. وأصبحت إيران أمام حقيقة التقهقر إلى داخل حدودها.
في ٢٨ شباط ٢٠٢٦ تعرضت إيران إلى هجوم عسكري أميركي – إسرائيلي بعدما فشلت المفاوضات الأميركية الإيرانية في التوصل إلى حل سياسي لمواضيع الملف النووي الإيراني وبرنامجها الصاروخي وتمددها الأمني في الإقليم. وكأن في ذلك تكرارًا لتجربة بن لادن، ولكن هنا المتمرد ليس فردًا، إنما جيش موازٍ للجيش الإيراني يديره العقل الغيبي ومصالح مراكز القوى في الحرس الثوري، الذي نحّى جانبًا من السلطة جميع القيادات الإصلاحية: حسين مير موسوي، محمد خاتمي، حسن روحاني، أحمدي نجاد، محمد جواد ظريف، وقتل رفسنجاني حسب ما تصرح ابنته، واغتال إبراهيم رئيسي، ومنع إبرام اتفاق مع مجموعة «٥+١» ثم مع الأميركيين.
فكان القرار الأميركي بشن عدوان على إيران بمثابة قرار إعدام لنظامها، عبر الإطاحة بالمرشد وقيادته الصلبة في الحرس الثوري بعدما تمردوا على الخيار الذي دعتهم إدارة ترامب إلى انتهاجه بالانفتاح والاندماج بالمجتمع الدولي، بعد انتهاء اللعبة التي أوكلت إلى نظام الملالي في تأمين ظروف «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط، ما مهد الطريق لاحقًا لإطلاق يد أميركا ومعها إسرائيل في الشرق الأوسط.
وفي رد الحرس الثوري على العدوان الأميركي الإسرائيلي، استهدف بـ٨٧٪ من هجماته الصاروخية دول الخليج العربي والأردن، و١٣٪ منها فقط استهدفت إسرائيل. ولا يشفع للحرس الثوري تبريراته بأن استهدافه لبلدان الخليج العربي موجّه ضد القواعد الأميركية فيها، بينما كانت هذه البلدان قد ضغطت على الأميركي لمنعه من إعلان الحرب على إيران، كما منعته من استخدام أجوائها في العدوان عليها. ورغم كل ذلك، كانت معظم الأهداف التي طالتها صواريخ ومسيرات إيران هي محطات الطاقة ومحطات تحلية المياه والمطارات المدنية والفنادق.
هذه الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي تعيدني بالذاكرة إلى ما كان قد قاله لي الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن عمق الحقد الفارسي على العرب، وبالتالي فإن هذه الاعتداءات تتجاوز موجبات الميدان. ولمن يريد أن يعرف جذور ذلك الحقد على العرب في الثقافة الإيرانية، أدعوه إلى قراءة أطول ملحمة شعرية فارسية مخصصة لإهانة العرب: «الشاهنامة» للفردوسي، التي كان قد كلفه بإنشائها أحد أباطرة فارس بعد هزيمتهم في حرب القادسية.
وفي موقف مؤسف، يناصر حزب الله في لبنان الإيراني على حساب اللبنانيين والعرب، بعدما انضم، إثر اغتيال المرشد السيد علي خامنئي، إلى جانب إيران في فتح جبهة لبنان في حربها ضد إسرائيل بإدارة وتنسيق كاملين وبشكل مكشوف مع الحرس الثوري، ضاربًا بذلك عرض الحائط موضوع استكمال مندرجات القرار ١٧٠١، وحوّل لبنان، من دون إرادة دولته ولا شعبه، إلى ساحة مواجهة بين إيران وإسرائيل، ويقدم فيها لبنان ضحية واللبنانيين قرابين على مذبح المرشد الجديد.
وقد لا تنتهي هذه المواجهة على أرض لبنان، للأسف، إلا بشروط جديدة لمصلحة إسرائيل على حساب سيادة لبنان وثرواته، أخذًا بعين الاعتبار ميزان القوة الطاغي لمصلحة العدو، باعتراف الشيخ نعيم قاسم نفسه.
ما هي احتمالات مآلات الحرب على مستقبل الشرق الأوسط؟
إن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي دخلت أسبوعها الخامس وما قبل الأخير حسب التصريحات الأميركية، مهما طالت أو قصرت مدتها، سوف تنتهي في النهاية يومًا ما بالتفاوض ضمن احتمالين، حسب ما أعتقد:
أولًا: أن تنتهي كما انتهت حرب الاثني عشر يومًا في حزيران عام ٢٠٢٥، أي ضمن معادلة «رابح – رابح» مع ترجيح ميزان القوة لمصلحة المحور الأميركي الإسرائيلي، ولكن في ظل ظروف تصبح فيها إيران معزولة إقليميًا ودوليًا، خاصة بعد استهداف صواريخها أهدافًا مدنية حيوية في بلدان الخليج وعدد آخر من البلدان المحيطة، وبعد استهدافها لمضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية فيه، وإطلاقها صواريخ بلغ مداها أربعة آلاف كيلومتر، ما أثار قلق القادة الأوروبيين. وفي هذه الحالة ستبقى إيران محاصرة بالعقوبات. وأخذًا بعين الاعتبار التدمير الهائل الذي لحق ببنيتها العسكرية والحيوية واغتيال عدد كبير من قيادات الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية، فإن النظام الهش الخارج من الحرب بهذه الحالة سيكون عاجزًا حتمًا عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات شروط البقاء، وبالتالي يصبح انهياره أمرًا محتملًا بعد وقت قصير من وقف القتال. ومن جهة أخرى، في مثل هذه النتيجة سوف يخسر حتمًا أذرعه في لبنان والعراق واليمن، حيث ستُطلق يد إسرائيل لمتابعة حربها على لبنان حتى تفكيك البنية العسكرية والأمنية لحزب الله، حسب ما يصرح به المسؤولون الإسرائيليون، وتتولى الحكومة العراقية أمر الحشد الشعبي كما تشير المعطيات إلى ذلك.
ثانيًا: أن تقدم القيادة الإيرانية على الموافقة على الشروط الأميركية المعلنة مع حفظ ماء وجهها عبر صيغة لإخراج الاتفاق وعدم المس بتركيبة النظام. في هذه الحال سوف تتوقف العقوبات عن إيران، وسوف تشهد إيران بعد ذلك انفراجات اقتصادية باندماجها في المجتمع الدولي، وهي منزوعة من النووي والأذرع وببرنامج صاروخي تحت السيطرة. لتأخذ بعد ذلك الحياة السياسية آلياتها الداخلية في إيران، وليرسم الشعب الإيراني مستقبلًا جديدًا لنظامه ودولته.
تصادم الاستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية بالاستراتيجية الإسرائيلية اليمينية
أو ما يُعرّف بـ«إسرائيل الكبرى»
من نتائج فصول الحروب التي فتحتها عملية «طوفان الأقصى» ما يلي:
١- ظهرت إسرائيل، مدعومة من أميركا، أنها قوة تدميرية هائلة، وهذا ما شهدناه بدءًا من غزة إلى إيران مرورًا بسوريا ولبنان، ولكن هذه القوة التدميرية لم تتحول إلى قوة مهيمنة. فهي تعاني من قلق وجودي في حال تراجع الدعم الأميركي لها. وإن هذا الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل الذي نشهده اليوم سوف يتقلص في المستقبل، حسب اعتقادي، نظرًا للتحولات التي أحدثتها جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية في وعي المجتمع الأميركي والغربي بشكل عام، الرافض للسياسة الصهيونية التي ترعى سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف. وهذا التحول في الوعي، خاصة عند جيل الشباب في الغرب، سوف يترك تأثيره الكبير في المدى غير البعيد عند اختيار السلطات المقبلة في بلدانهم. وسيكون لهذا التحول في سياسة الغرب، التي شهدنا مقدمته في اعتراف أكثر من ١٥٩ دولة، بما في ذلك العديد من الدول الأوروبية، بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، أثر كبير. وتبقى وحدة الموقف الفلسطيني والتزام الدول العربية، وفي مقدمتهم مجلس التعاون الخليجي، بحل الدولتين كشرط للسلام مع دولة إسرائيل هي الضمانة لقيام الدولة الفلسطينية.
٢- الإمبراطورية الصهيونية التي لا يمكن أن تقوم إلا بتفتيت دول المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية قد فشل قيامها في حقبة ما قبل «طوفان الأقصى». ورغم ما قامت به إسرائيل بعد ذلك من بطش وتدمير في عدد من بلدان الشرق الأوسط، إلا أنه حسب اعتقادي سوف تفشل اليوم وفي المستقبل كما فشلت في السابق، لأن مشروعها للتفتيت وتغيير حدود دول المنطقة من أجل شرق أوسط جديد تسيطر هي عليه لإنشاء إمبراطوريتها الصهيونية يصطدم حتمًا باستراتيجية الدولة العميقة في أميركا التي تقضي بعدم تغيير الحدود، كما ترفض الذهاب إلى خيار التفتيت الذي ترغب به إسرائيل. وأكبر مثال على ذلك هو دعم الإدارة الأميركية لحكومة الشرع في سوريا، والضغط على «قسد» للاندماج في النظام، ورفضها ما أراد أن يذهب إليه نتنياهو في تفكيك إيران عبر دعم المكونات الإيرانية غير الفارسية.
فبالنسبة للأميركي، إن تفكيك أي دولة من دول المنطقة سوف يؤدي إلى تفكيك سائر الدول المتعددة الأعراق والطوائف، فتصبح حينئذ مثل لعبة الدومينو، وتندفع الأوضاع فيها نحو فوضى غير مسيطر عليها وتتحول إلى حروب لا نهاية لها، تترك تأثيرها على موارد الطاقة الموجودة في المنطقة وعلى الممرات النفطية البحرية وشبكة المواصلات البرية التي تربط بين ثلاث قارات. فإقفال مضيق هرمز لأسابيع قليلة بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران خير مثال على ذلك، حيث ارتفع سعر برميل النفط من ٦٠ دولارًا إلى ١٢٠ دولارًا، ويكاد استمرار إغلاقه يسبب توترًا دوليًا يزعزع أمن واستقرار المنطقة والعالم، علمًا أن ٢٠٪ من إمدادات الطاقة للعالم تخرج من هذه المنطقة.
٣- بغض النظر عن الشكل الذي ستنتهي فيه هذه الحرب، أستطيع القول، بناءً على النتائج التي ترتبت على المواجهات في مختلف الساحات منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، إن الإمبراطورية الفارسية قد انتهت، وإن إيران تتجه إلى الانكفاء نحو داخل حدودها، مهما يكن شكل النظام السياسي فيها.
٤- إن نتائج هذه الحروب والصورة الجديدة التي سوف ترسو عليها حالة منطقة الشرق الأوسط، وموازين القوى التي ستنجم عن ذلك، سوف تترك تأثيرًا كبيرًا في صيغة بناء النظام العالمي الجديد. وهذه قضية أخرى مهمة جدًا نتركها لبحث مستقبلي.
يوسف مرتضى








