إلى متى ستبقى الحلول في لبنان: تأتي من الخارج إلى الداخل؟
في استعراضٍ تاريخي لأزمات لبنان نجد أن هذه المعادلة صحيحةٌ. فالمخارج الكبرى لأزمات لبنان صيغت دائماً خارج حدوده، لكن التاريخ يُظهر أيضاً أن الخارج يفتح النافذة ولا يضمن الاستمرار.
وما بقي منها هو ما وجد قبولاً داخلياً.
١. بالعودة للتاريخ نرى:
-الميثاق الوطني١٩٤٣-١٩٥٨،بني على توازن داخلي هشّ قائم على حسابات فرنسية وبريطانية وإقليمية، وانهار في العام ١٩٥٨ بتدخل أميركي.
-اتفاق القاهرة في العام ١٩٦٩ جعل السلاح الفلسطيني شأناً عربياً فُرض على الدولة، وكان من أسباب انفجار الحرب الأهلية عام ١٩٧٥.
-اتفاق 17 أيار مع إسرائيل عام ١٩٨٣ صُنع بضغط أميركي، وأسقطته القوى الداخلية، وهو أوضح مثال على فشل حل خارجي لم يُحتضن محلياً.
-دخلت سوريا إلى لبنان في العام ١٩٧٦ وبقيت قواتها فيه حتى العام ٢٠٠٥ بغطاء عربي ودولي، وحكمت لبنان من خلال وصايتها عليه لمدة ٢٩ عاماً.
-اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ الذي رعته السعودية بغطاء أميركي وسوري، صمد نسبياً لأن بعض النخب اللبنانية تبنّته. ومع ذلك طُبّق انتقائياً تحت الوصاية السورية، فبقي سلاح «المقاومة» خارج منطق الدولة -على أثر التمديد للرئيس إميل لحود ٢٠٠٤-٢٠٠٨ صدر القرار ١٥٥٩ عن مجلس الأمن ، فحصل اغتيال الرئيس رفيق رفيق الحريري، وأُخرج الجيش السوري وانتهت وصايتها على لبنان في ٢٦ نيسان عام ٢٠٠٥، ثم كانت حرب 2006 والقرار 1701، ثم اتفاق الدوحة بعد أحداث أيار 2008. وفي كل مرة جاءت التسوية من مظلة خارجية، وبقي السلاح والسلطة معلّقين.
الأزمة الراهنة وكيفية الخروج منها
أدت حربا إسناد غزة وإيران إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من ٦٠٠ كلم٢ من جنوب لبنان وتدمير ٦٦ بلدة وقرية تدميراً شبه كامل، كما أدت إلى سقوط أكثر من عشرة آلاف ضحية وثلاثين ألف جريح، وتشريد حوالي مليون ومئة الف مواطن.
وبعد فشل وسقوط قوة الردع التي اعتدّ بها حزب الله ،لم يتبقى أمام الدولة اللبنانية ، سوى خيار المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، لتحرير الأرض والأسرى وإعادة المشردين الجنوبيين إلى بيوتهم وأرزاقهم وتوفير المال اللازم لإعادة إعمار ما تهدم.
وهكذا بدأت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في ١٤ نيسان ٢٠٢٦برعاية أميركية، ثم وُقّع في واشنطن اتفاق إطار يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، وهو ما يرفضه الحزب الذي كان وقّع بتفويضه لحكومة نجيب ميقاتي اتفاق ٢٧ تشرين الثاني عام ٢٠٢٤ الذي يقضي بتنفيذ القرار ١٧٠١ بكل مندرجاته والذي يتضمن حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية بأجهزة الدولة الشرعية وحدها وهو ما يتضمنه اتفاق الإطار أيضاً.
هذا الأمر الذي كان يجب أن ينجز في نهاية العام ٢٠٢٥ ، تعثّر إنجازه بتصلب من حزب الله من جهة وعدم الالتزام الإسرائيلي بموجباته من جهة آخرى.
وأدت عملية الثأر للخامنئي في ٢ آذار عام ٢٠٢٦ إلى فتح شهية إسرائيل للتوسع بالاحتلال.
لبنان اليوم أمام معضلة مزدوجة
-إسرائيل ترفض الانسحاب إلا بعد نزع سلاح حزب الله على كامل الأراضي اللبنانية.
⁃ حزب الله يرفض المفاوضات المباشرة واتفاق الإطار ويصرَ على ربط مصير الملف اللبناني بالملف الإيراني.
⁃ ومع ذلك الحكومة اللبنانية أخذت خيار المفاوضات المباشرة لتأكد أن لا أحد يمكنه أن يفاوض عن الدولة إلا الدولة نفسها، وهي تعمل على استعادة دورها تدريجياً بمافي ذلك في الجنوب، وتمكَنت عبر اتفاق الإطار من تقليص عدد النازحين إلى ما دون ال ٤٠٠٠٠٠ نازح. وتحرير عددٍ من الأسرى.
⁃ وفي الاحتمالات المتوقَعة ، للخروج من مأزق هذه الأزمة هناك احتمالات ثلاث:
⁃ ١ - إما أن تعود قيادة حزب إلى رشدها وتسلّم بقرارت الحكومة وبتنفيذ حصرية السلاح طوعاً، وهذا يقصّر عمر الأزمة ويدعم التماسك الوطني الداخلي ما يساعد على حشد الدعم العربي والدولي لإجبار إسرائيل على تنفيذ القرار الأممي ١٧٠١ بكامل مندرجاته.
⁃ ٢-أو أن تحصل صفقة أميركية إيرانية تشمل أذرع إيران بما في ذلك حزب الله.
⁃ ٣- أو سنبقى بحالة المرواحة والتعافي التدريجي بالاعتماد على الضغط الأميركي على إسرائيل لأنها الجهة الوحيدة القادرة على ذلك على حد تعبير الرئيس نبيه بري ، وحشد الدعم العربي والدولي لتقوية حضور الدولة وأجهزتها ما يساهم فعلياً في إضعاف دور حزب الله ويجعل الشارع المحتمي به يتحول تدريجيا إلى حضانة الدولة.
⁃ وبانتظار الحل الآتي ، لا بد من تطورات تعيد رسم الخريطة السياسية الداخلية، من أجل إنتاج طبقة سياسية مستفيدة من تجارب الماضي، وفي صلب إيمانها تغليب مفهوم الدولة على مفهوم السلطة والابتعاد عن الارتهان للخارج من أجل الاستقواء به على الشريك في الداخل للقبض على السلطة.












