محسن دلول "أبو نزار" لا يموت!
تعود علاقتي بأبي نزار إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي من موقعه ودوره في قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي، وموقعي ودوري في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، الحزبان اللذان جمعهما على الدوام تحالف استراتيجي، تفككت عراه للأسف في أواخر تسعينيات القرن العشرين.
إن تقاربًا كبيرًا جمع بيننا في الفكر والسياسة، فضلًا عن أننا من بلدتين بقاعيتين متجاورتين، علي النهري وتمنين التحتا. أبو نزار، الصحافي والسياسي، لم تغره المناصب والألقاب، وبقي على الدوام ابن الفلاح المتواضع، وابن الأرض التي أحبها، وابن البقاع وزحلة التي تعلم فيها وبنى صداقات مع عائلاتها وسياسييها، وكتب فيها شعرًا ونثرًا عذبًا كعذوبة البردوني، وارتاح كثيرًا لدفء العلاقة مع أهلها.
وأمام إلحاح العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، قدس سره، الذي كان أبو نزار من مقلديه، ودعوته له مرارًا وتكرارًا لكتابة مذكراته، لما قدّره السيد أن في مخزونه الفكري والسياسي وتجاربه في الحياة السياسية اللبنانية ما يجب أن يعرفه الناس ويساهم في تنمية وعي الأجيال المقبلة بتاريخ بلدهم، واستجابةً لطلب السيد وآخرين، قرر أبو نزار المباشرة بتسييل مخزون ذاكرته من دون تردد. كان ذلك في صيف العام 2005، حيث دعاني إلى جلسة تمهيدية معه.
روى لي فيها ما يطلبه منه السيد فضل الله. وفي هذه الجلسة قال لي: أشكر الله أنني لم أفز في الانتخابات النيابية، واستطرد يقول: لو نجحت في هذه الانتخابات لكنت أول وأسهل المستهدفين بالاغتيال في موسم الاغتيالات السياسية الذي بدأ باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كوني كنت من مرشحي لائحة الرابع عشر من آذار المدعومة من تيار المستقبل. وبعدما تبادلنا الرأي في تقييم معركة انتخابات عام 2005 النيابية، حيث لم يفز فيها من لائحة الرابع عشر من آذار في دائرة البقاع الأوسط إلا السيد نقولا فتوش.
بعد ذلك اقترح عليّ وضع تصور للبدء بكتابة مذكراته بعدما تحرر من أعباء المهمات السياسية. ومنذ ذلك التاريخ بدأت معه رحلة الكتابة.
ونظرًا للثقة العالية المتبادلة بيننا، فتح لي تباعًا خزائن ذاكرته وما اختزنته من سير وأخبار وأسرار. وخلال عقدين من الزمن أفرغت جزءًا من مخزونه الغني جدًا الذي لا ينضب، وكذلك من أفكاره وخلاصة بعض قراءاته، ونشرناها في خمسة عشر كتابًا، كان آخرها "لبنان الكيان المهزوز / من بشارة الخوري إلى ميشال عون".
وبمتابعة البحث والتلاقح الفكري في صالونه السياسي، توطدت علاقتنا وبتنا في نظر الآخرين شخصين متلازمين، يُعرَف أحدنا بالآخر، وقد استجبت بصدق وأمانة بعد وفاة أخيه الوحيد أبو غنام، رحمه الله، لرغبة التآخي معه. ومن هذه الخلفية ترافقنا معًا في الواجبات الاجتماعية، وتشاركنا اللقاءات الحوارية في بيروت والبقاع. ورغم تجاوزه التسعين من العمر، بقيت ذاكرته وقّادة وحاضرة دائمًا لتجيبك عن أي حدث سياسي أو اجتماعي، وهو بذلك يغنيك عن الذكاء الاصطناعي.
أن تحاور محسن دلول وتغوص في عمق ذكرياته هي متعة كل طامح للتزود بالمعلومات وحيثيات أحداث ثمانية عقود من تاريخ لبنان الحديث، والاغتناء بمعارف عن تحولات كبرى شهدها لبنان والعديد من البلدان العربية، لم نقرأها في الكتب ولا تداولتها وسائل الإعلام.
أبو نزار، الصحافي والسياسي، لم يكن لاعب أدوار فحسب، بل شريكًا فعالًا في طبخ السياسات التي تركت بالغ التأثير في مجرى الأحداث ونتائجها التي شهدها لبنان في مرحلة الحرب الأهلية المشؤومة، وما تلاها من تطورات بعد اتفاق الطائف، وطيلة حقبة الرعاية السورية للملف اللبناني.
وبسبب تميزه بذكاء خارق، وبثقافة واسعة وقدرة وحنكة عالية في إقناع محاوريه، قرّبه منه المعلم الشهيد كمال جنبلاط، ورافقه في توسطه بين سوريا والعراق، وفي توسطه بين جمال عبد الناصر وهواري بومدين، وعبد الناصر والقذافي، وفي حواره مع الملك فيصل. واختارته اللجنة الثلاثية العربية عبر السفير الأخضر الإبراهيمي عام 1989 لمحاورة ميشال عون وإقناعه بالاستجابة لمخرجات اتفاق الطائف. وبعد جلسة استمرت لساعات تمكّن أبو نزار من إقناع عون بالانخراط في الدولة، غير أن السفير الفرنسي "ألا"، وباسم الإدارة الفرنسية، جعل عون ينقلب على اتفاقه مع الوزير دلول. وفي العام 1990، وحيث عجزت المخابرات الأميركية عن إقناع الدكتور سمير جعجع بالموافقة على التعديلات الدستورية، نجح أبو نزار، مكلفًا من الحكومة اللبنانية، في إقناعه عندما زاره في مقر إقامته في غدراس، حين قال له: "بع موافقتك إلى حافظ الأسد".
واختارته الحكومة اللبنانية، دون غيره، مع زميله الدكتور ألبير منصور لحل الميليشيات استجابة لنتائج اتفاق الطائف.
أبو نزار، بكل ألم وحسرة، روى لي كيف حمل رسالة عام 1976 من وزير خارجية تونس الحبيب الشطي إلى كمال جنبلاط يدعوه ألا يحاول قطع خيوط جرى ترتيبها في المنطقة لأنها سوف تقطّعه. كما حمل رسالة من خدام عام 2004 إلى رفيق الحريري يدعوه أن يفلّ من البلد لأنهم سوف يقتلونه.
ويدهشك محسن دلول كيف تمكّن بحنكته وقدرته على الدخول إلى عقول وقلوب محاوريه، ما مكّنه من الإفراج عن المخطوفين الألمان بالوساطة مع الإيرانيين، وكيف قرّب بير رزق "أكرم" من السوريين، الذي كشف لهم محاولات انقلابية كان بعض الضباط يعدّونها ضد نظام حافظ الأسد.
كم كنت محظوظًا بصداقتي مع محسن دلول الذي تعلمت منه الكثير، ليس فقط بما تزودته من معلومات، بل بما خبرته منه في كيفية مقاربة الأحداث بإتقان قانون الجدل.
محسن دلول يغيب عنا جسدًا، لكن محسن دلول الإنسان المتواضع، الخلوق، العلماني الوطني، العربي الديمقراطي الذي سار على خطى كمال جنبلاط، يبقى حيًا فينا بما تركه من إرث فكري وسياسي وإنساني أزلي لا يمحوه الزمن.
وداعًا أيها الأخ والصديق والرفيق، مسكنك باقٍ في قلوبنا وعقولنا ما حيينا.
يوسف مرتضى
محسن دلول "أبو نزار" لا يموت!
تعود علاقتي بأبي نزار إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي من موقعه ودوره في قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي، وموقعي ودوري في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، الحزبان اللذان جمعهما على الدوام تحالف استراتيجي، تفككت عراه للأسف في أواخر تسعينيات القرن العشرين.
إن تقاربًا كبيرًا جمع بيننا في الفكر والسياسة، فضلًا عن أننا من بلدتين بقاعيتين متجاورتين، علي النهري وتمنين التحتا. أبو نزار، الصحافي والسياسي، لم تغره المناصب والألقاب، وبقي على الدوام ابن الفلاح المتواضع، وابن الأرض التي أحبها، وابن البقاع وزحلة التي تعلم فيها وبنى صداقات مع عائلاتها وسياسييها، وكتب فيها شعرًا ونثرًا عذبًا كعذوبة البردوني، وارتاح كثيرًا لدفء العلاقة مع أهلها.
وأمام إلحاح العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، قدس سره، الذي كان أبو نزار من مقلديه، ودعوته له مرارًا وتكرارًا لكتابة مذكراته، لما قدّره السيد أن في مخزونه الفكري والسياسي وتجاربه في الحياة السياسية اللبنانية ما يجب أن يعرفه الناس ويساهم في تنمية وعي الأجيال المقبلة بتاريخ بلدهم، واستجابةً لطلب السيد وآخرين، قرر أبو نزار المباشرة بتسييل مخزون ذاكرته من دون تردد. كان ذلك في صيف العام 2005، حيث دعاني إلى جلسة تمهيدية معه.
روى لي فيها ما يطلبه منه السيد فضل الله. وفي هذه الجلسة قال لي: أشكر الله أنني لم أفز في الانتخابات النيابية، واستطرد يقول: لو نجحت في هذه الانتخابات لكنت أول وأسهل المستهدفين بالاغتيال في موسم الاغتيالات السياسية الذي بدأ باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كوني كنت من مرشحي لائحة الرابع عشر من آذار المدعومة من تيار المستقبل. وبعدما تبادلنا الرأي في تقييم معركة انتخابات عام 2005 النيابية، حيث لم يفز فيها من لائحة الرابع عشر من آذار في دائرة البقاع الأوسط إلا السيد نقولا فتوش.
بعد ذلك اقترح عليّ وضع تصور للبدء بكتابة مذكراته بعدما تحرر من أعباء المهمات السياسية. ومنذ ذلك التاريخ بدأت معه رحلة الكتابة.
ونظرًا للثقة العالية المتبادلة بيننا، فتح لي تباعًا خزائن ذاكرته وما اختزنته من سير وأخبار وأسرار. وخلال عقدين من الزمن أفرغت جزءًا من مخزونه الغني جدًا الذي لا ينضب، وكذلك من أفكاره وخلاصة بعض قراءاته، ونشرناها في خمسة عشر كتابًا، كان آخرها "لبنان الكيان المهزوز / من بشارة الخوري إلى ميشال عون".
وبمتابعة البحث والتلاقح الفكري في صالونه السياسي، توطدت علاقتنا وبتنا في نظر الآخرين شخصين متلازمين، يُعرَف أحدنا بالآخر، وقد استجبت بصدق وأمانة بعد وفاة أخيه الوحيد أبو غنام، رحمه الله، لرغبة التآخي معه. ومن هذه الخلفية ترافقنا معًا في الواجبات الاجتماعية، وتشاركنا اللقاءات الحوارية في بيروت والبقاع. ورغم تجاوزه التسعين من العمر، بقيت ذاكرته وقّادة وحاضرة دائمًا لتجيبك عن أي حدث سياسي أو اجتماعي، وهو بذلك يغنيك عن الذكاء الاصطناعي.
أن تحاور محسن دلول وتغوص في عمق ذكرياته هي متعة كل طامح للتزود بالمعلومات وحيثيات أحداث ثمانية عقود من تاريخ لبنان الحديث، والاغتناء بمعارف عن تحولات كبرى شهدها لبنان والعديد من البلدان العربية، لم نقرأها في الكتب ولا تداولتها وسائل الإعلام.
أبو نزار، الصحافي والسياسي، لم يكن لاعب أدوار فحسب، بل شريكًا فعالًا في طبخ السياسات التي تركت بالغ التأثير في مجرى الأحداث ونتائجها التي شهدها لبنان في مرحلة الحرب الأهلية المشؤومة، وما تلاها من تطورات بعد اتفاق الطائف، وطيلة حقبة الرعاية السورية للملف اللبناني.
وبسبب تميزه بذكاء خارق، وبثقافة واسعة وقدرة وحنكة عالية في إقناع محاوريه، قرّبه منه المعلم الشهيد كمال جنبلاط، ورافقه في توسطه بين سوريا والعراق، وفي توسطه بين جمال عبد الناصر وهواري بومدين، وعبد الناصر والقذافي، وفي حواره مع الملك فيصل. واختارته اللجنة الثلاثية العربية عبر السفير الأخضر الإبراهيمي عام 1989 لمحاورة ميشال عون وإقناعه بالاستجابة لمخرجات اتفاق الطائف. وبعد جلسة استمرت لساعات تمكّن أبو نزار من إقناع عون بالانخراط في الدولة، غير أن السفير الفرنسي "ألا"، وباسم الإدارة الفرنسية، جعل عون ينقلب على اتفاقه مع الوزير دلول. وفي العام 1990، وحيث عجزت المخابرات الأميركية عن إقناع الدكتور سمير جعجع بالموافقة على التعديلات الدستورية، نجح أبو نزار، مكلفًا من الحكومة اللبنانية، في إقناعه عندما زاره في مقر إقامته في غدراس، حين قال له: "بع موافقتك إلى حافظ الأسد".
واختارته الحكومة اللبنانية، دون غيره، مع زميله الدكتور ألبير منصور لحل الميليشيات استجابة لنتائج اتفاق الطائف.
أبو نزار، بكل ألم وحسرة، روى لي كيف حمل رسالة عام 1976 من وزير خارجية تونس الحبيب الشطي إلى كمال جنبلاط يدعوه ألا يحاول قطع خيوط جرى ترتيبها في المنطقة لأنها سوف تقطّعه. كما حمل رسالة من خدام عام 2004 إلى رفيق الحريري يدعوه أن يفلّ من البلد لأنهم سوف يقتلونه.
ويدهشك محسن دلول كيف تمكّن بحنكته وقدرته على الدخول إلى عقول وقلوب محاوريه، ما مكّنه من الإفراج عن المخطوفين الألمان بالوساطة مع الإيرانيين، وكيف قرّب بير رزق "أكرم" من السوريين، الذي كشف لهم محاولات انقلابية كان بعض الضباط يعدّونها ضد نظام حافظ الأسد.
كم كنت محظوظًا بصداقتي مع محسن دلول الذي تعلمت منه الكثير، ليس فقط بما تزودته من معلومات، بل بما خبرته منه في كيفية مقاربة الأحداث بإتقان قانون الجدل.
محسن دلول يغيب عنا جسدًا، لكن محسن دلول الإنسان المتواضع، الخلوق، العلماني الوطني، العربي الديمقراطي الذي سار على خطى كمال جنبلاط، يبقى حيًا فينا بما تركه من إرث فكري وسياسي وإنساني أزلي لا يمحوه الزمن.
وداعًا أيها الأخ والصديق والرفيق، مسكنك باقٍ في قلوبنا وعقولنا ما حيينا.
يوسف مرتضى










