من طهران تُفتح جبهة لبنان… واللبنانيون يدفعون الثمن
مع اندلاع الحرب الأخيرة، صدر البيان الأول عن حزب الله ليعلن إطلاق الصواريخ، مبرّراً ذلك بأنه رد على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. هذا البيان لم يكن مجرد إعلان عسكري، بل كان اعترافاً واضحاً بالدافع الذي فتح الجبهة، إذ ربط الحزب مباشرة قراره العسكري بحدث وقع في إيران، لا بحدث وقع في لبنان.
هذا الأمر وحده يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الدلالة: كيف تُفتح جبهة في لبنان بسبب حدث وقع في طهران؟ وكيف يصبح لبنان مرة أخرى ساحة حرب في صراع إقليمي لا علاقة مباشرة له بمصلحة اللبنانيين الذين يعيشون أصلاً واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخ بلدهم؟
المفارقة الأكبر أن هذه الخطوة جاءت بعد أكثر من خمسة عشر شهراً من الخروقات الإسرائيلية المتكررة. طوال تلك الفترة لم تُفتح الجبهة ولم يُتخذ قرار المواجهة رغم الاعتداءات المتكررة. لكن ما إن وقع الحدث المرتبط بإيران حتى تغيّر المشهد فجأة، وكأن القرار لم يكن مرتبطاً بما يتعرض له لبنان، بل بما تتعرض له إيران.
اليوم جاءت تصريحات المرشد الإيراني الجديد لتضيف دليلاً آخر على هذه الحقيقة، عندما أكد أن دخول حزب الله إلى الحرب جاء دعماً لإيران. هذا الكلام لم يصدر عن خصوم الحزب أو عن خصوم إيران، بل صدر عن أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية، ما يعيد التأكيد على أن الجبهة اللبنانية تُستخدم كجزء من معركة إقليمية أوسع تتحكم بها طهران.
الأخطر من ذلك ليس فقط في ارتباط القرار، بل في طبيعة القرار نفسه. قرار فتح جبهة حرب من الأراضي اللبنانية ليس تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل قرار يعرّض بلدًا كاملاً للخطر. ومع ذلك، اتُخذ هذا القرار خارج أي إطار وطني جامع، ومن دون أن يكون للدولة اللبنانية أو لمؤسساتها أي دور فيه.
في الواقع، هذه العلاقة ليست سراً. فمنذ تأسيسه أعلن حزب الله التزامه بمبدأ ولاية الفقيه، أي المرجعية السياسية والدينية للقيادة الإيرانية. وهذا يعني عملياً أن القرار الاستراتيجي للحزب مرتبط بهذه المرجعية، وهو أمر أعلنه قادته صراحة في أكثر من مناسبة.
كما سبق للأمين العام للحزب نعيم قاسم أن أكد في خطاب سابق قبل اندلاع الحرب أن أي اعتداء على إيران لن يمر من دون رد، وأن الحزب سيكون إلى جانبها في المواجهة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة بدا وكأن هذا الكلام يتحول إلى ترجمة عملية على الأرض.
لكن المشكلة في لبنان لا تتعلق فقط بالسلاح أو بالقرار العسكري، بل أيضاً بمحاولة اختزال طائفة كاملة في خيار سياسي واحد. لبنان لم يقم يوماً إلا بكل طوائفه ومكوّناته، ولا يمكن أن يقوم إلا بتوازنها وشراكتها الكاملة في القرار الوطني. والطائفة الشيعية تحديداً ليست طائفة طارئة على الدولة اللبنانية، بل هي من أساسها ومن صلب تاريخها الوطني، وقد كانت دائماً شريكاً أساسياً في بناء الدولة ومؤسساتها.
من هنا يصبح الخطر الحقيقي عندما يجري استخدام هذه الطائفة الكريمة في معارك لا علاقة لها بمصلحة لبنان. فربط مصير الشيعة في لبنان بمصالح إيران الإقليمية لا يضر فقط بالدولة اللبنانية، بل يضر أيضاً بالطائفة الشيعية نفسها التي تدفع الثمن الأكبر من الحروب والدمار والخسائر.
وفي كل مواجهة عسكرية، تكون القرى والبلدات الشيعية في الجنوب والبقاع، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، أول من يدفع الثمن. هذه المناطق التي يعيش فيها مئات آلاف اللبنانيين تتحول في كل حرب إلى ساحات للدمار والخسائر، ويكون أبناؤها أول من يخسر الأرواح والمنازل وفرص الحياة الكريمة.
ومع ذلك، يجري تقديم هذه التضحيات وكأنها جزء من معركة إقليمية أكبر لا علاقة مباشرة لها بمصلحة اللبنانيين. بينما الحقيقة أن اللبنانيين جميعاً، والشيعة خصوصاً، يدفعون كلفة قرارات لا تصدر عن الدولة اللبنانية ولا تأخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان.
الحقيقة التي يعرفها اللبنانيون جميعاً هي أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بكل طوائفه مجتمعة، ولا يمكن أن يخرج من أزمته إلا عندما يكون قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً جامعاً يصدر من الدولة لا من أي جهة أخرى. كما أن الطائفة الشيعية، بتاريخها الوطني ودورها الأساسي في لبنان، يجب أن تكون في صلب القرار الوطني اللبناني، لا أن تُربط قسراً بمعارك الآخرين.
لذلك لم يعد النقاش مجرد خلاف سياسي حول سلاح أو خيار عسكري، بل أصبح سؤالاً وطنياً كبيراً: هل يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، أم يعود وطناً لكل أبنائه تُتخذ قراراته الكبرى في بيروت، بما يحفظ مصلحة جميع اللبنانيين ويُنهي معاناة شعب أنهكته الحروب والصراعات؟
من طهران تُفتح جبهة لبنان… واللبنانيون يدفعون الثمن
مع اندلاع الحرب الأخيرة، صدر البيان الأول عن حزب الله ليعلن إطلاق الصواريخ، مبرّراً ذلك بأنه رد على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. هذا البيان لم يكن مجرد إعلان عسكري، بل كان اعترافاً واضحاً بالدافع الذي فتح الجبهة، إذ ربط الحزب مباشرة قراره العسكري بحدث وقع في إيران، لا بحدث وقع في لبنان.
هذا الأمر وحده يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الدلالة: كيف تُفتح جبهة في لبنان بسبب حدث وقع في طهران؟ وكيف يصبح لبنان مرة أخرى ساحة حرب في صراع إقليمي لا علاقة مباشرة له بمصلحة اللبنانيين الذين يعيشون أصلاً واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخ بلدهم؟
المفارقة الأكبر أن هذه الخطوة جاءت بعد أكثر من خمسة عشر شهراً من الخروقات الإسرائيلية المتكررة. طوال تلك الفترة لم تُفتح الجبهة ولم يُتخذ قرار المواجهة رغم الاعتداءات المتكررة. لكن ما إن وقع الحدث المرتبط بإيران حتى تغيّر المشهد فجأة، وكأن القرار لم يكن مرتبطاً بما يتعرض له لبنان، بل بما تتعرض له إيران.
اليوم جاءت تصريحات المرشد الإيراني الجديد لتضيف دليلاً آخر على هذه الحقيقة، عندما أكد أن دخول حزب الله إلى الحرب جاء دعماً لإيران. هذا الكلام لم يصدر عن خصوم الحزب أو عن خصوم إيران، بل صدر عن أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية، ما يعيد التأكيد على أن الجبهة اللبنانية تُستخدم كجزء من معركة إقليمية أوسع تتحكم بها طهران.
الأخطر من ذلك ليس فقط في ارتباط القرار، بل في طبيعة القرار نفسه. قرار فتح جبهة حرب من الأراضي اللبنانية ليس تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل قرار يعرّض بلدًا كاملاً للخطر. ومع ذلك، اتُخذ هذا القرار خارج أي إطار وطني جامع، ومن دون أن يكون للدولة اللبنانية أو لمؤسساتها أي دور فيه.
في الواقع، هذه العلاقة ليست سراً. فمنذ تأسيسه أعلن حزب الله التزامه بمبدأ ولاية الفقيه، أي المرجعية السياسية والدينية للقيادة الإيرانية. وهذا يعني عملياً أن القرار الاستراتيجي للحزب مرتبط بهذه المرجعية، وهو أمر أعلنه قادته صراحة في أكثر من مناسبة.
كما سبق للأمين العام للحزب نعيم قاسم أن أكد في خطاب سابق قبل اندلاع الحرب أن أي اعتداء على إيران لن يمر من دون رد، وأن الحزب سيكون إلى جانبها في المواجهة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة بدا وكأن هذا الكلام يتحول إلى ترجمة عملية على الأرض.
لكن المشكلة في لبنان لا تتعلق فقط بالسلاح أو بالقرار العسكري، بل أيضاً بمحاولة اختزال طائفة كاملة في خيار سياسي واحد. لبنان لم يقم يوماً إلا بكل طوائفه ومكوّناته، ولا يمكن أن يقوم إلا بتوازنها وشراكتها الكاملة في القرار الوطني. والطائفة الشيعية تحديداً ليست طائفة طارئة على الدولة اللبنانية، بل هي من أساسها ومن صلب تاريخها الوطني، وقد كانت دائماً شريكاً أساسياً في بناء الدولة ومؤسساتها.
من هنا يصبح الخطر الحقيقي عندما يجري استخدام هذه الطائفة الكريمة في معارك لا علاقة لها بمصلحة لبنان. فربط مصير الشيعة في لبنان بمصالح إيران الإقليمية لا يضر فقط بالدولة اللبنانية، بل يضر أيضاً بالطائفة الشيعية نفسها التي تدفع الثمن الأكبر من الحروب والدمار والخسائر.
وفي كل مواجهة عسكرية، تكون القرى والبلدات الشيعية في الجنوب والبقاع، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، أول من يدفع الثمن. هذه المناطق التي يعيش فيها مئات آلاف اللبنانيين تتحول في كل حرب إلى ساحات للدمار والخسائر، ويكون أبناؤها أول من يخسر الأرواح والمنازل وفرص الحياة الكريمة.
ومع ذلك، يجري تقديم هذه التضحيات وكأنها جزء من معركة إقليمية أكبر لا علاقة مباشرة لها بمصلحة اللبنانيين. بينما الحقيقة أن اللبنانيين جميعاً، والشيعة خصوصاً، يدفعون كلفة قرارات لا تصدر عن الدولة اللبنانية ولا تأخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان.
الحقيقة التي يعرفها اللبنانيون جميعاً هي أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بكل طوائفه مجتمعة، ولا يمكن أن يخرج من أزمته إلا عندما يكون قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً جامعاً يصدر من الدولة لا من أي جهة أخرى. كما أن الطائفة الشيعية، بتاريخها الوطني ودورها الأساسي في لبنان، يجب أن تكون في صلب القرار الوطني اللبناني، لا أن تُربط قسراً بمعارك الآخرين.
لذلك لم يعد النقاش مجرد خلاف سياسي حول سلاح أو خيار عسكري، بل أصبح سؤالاً وطنياً كبيراً: هل يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، أم يعود وطناً لكل أبنائه تُتخذ قراراته الكبرى في بيروت، بما يحفظ مصلحة جميع اللبنانيين ويُنهي معاناة شعب أنهكته الحروب والصراعات؟












