في خطوة تحمل أبعاداً سياسية ومجتمعية، أُعلن عن تأسيس «جمعية الصداقة السورية اللبنانية»، في محاولة لفتح مسار جديد للعلاقات بين لبنان وسوريا يقوم على التواصل بين المجتمعين، وتجاوز الملفات الثقيلة التي طبعت العلاقة بين البلدين لعقود.
وتنطلق الجمعية من رؤية تعتبر أن المرحلة الراهنة تشكل فرصة لإعادة تنظيم العلاقة اللبنانية–السورية على قاعدة احترام سيادة الدولتين واستقلال قرارهما، مع تحويل التقارب الرسمي بين بيروت ودمشق إلى مسار أوسع يشمل المجتمع المدني والجامعات والقطاعات الثقافية والفنية.
ويأتي إطلاق الجمعية في ظل مجموعة من التطورات التي شهدتها العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الماضية، أبرزها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في تموز الماضي، وما رافقها من بحث في تطوير العلاقات الثنائية، إضافة إلى خطوات اتخذها الجانبان في ملفات أمنية وقضائية وحدودية.
وكان لبنان قد أنهى في شباط الماضي العمل بالمجلس الأعلى اللبناني–السوري، فيما جرى التوصل إلى اتفاق يقضي بتسليم مئات السجناء السوريين إلى دمشق، بالتوازي مع التوجه نحو معالجة ملف الحدود البرية والبحرية ومراجعة عدد من الاتفاقات التي أُبرمت خلال مراحل سابقة من تاريخ العلاقات بين البلدين.
وتعتبر الجمعية أن بناء علاقة مستقرة بين لبنان وسوريا لا يمكن أن يبقى محصوراً بالاتصالات الرسمية والاتفاقات الحكومية، في ظل تراكمات سياسية واجتماعية وأمنية تركت أثراً عميقاً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين والسوريين.
وفي هذا الإطار، تطرح الجمعية العمل على إطلاق تبادلات ثقافية وفنية وجامعية بين البلدين، إلى جانب تعزيز التواصل المباشر بين المجتمعات، بهدف الحد من الصور النمطية المتبادلة وفتح مساحة للحوار بعيداً عن الاصطفافات السياسية.
كما تضع الجمعية ملف الذاكرة المشتركة في صلب أهدافها، في ظل استمرار وجود ملفات عالقة وجراح لم تُقفل، ولا سيما لدى عائلات لبنانية وسورية ارتبطت تجاربها بمراحل العنف والصراع والاعتقالات والاغتيالات والتهجير.
وترى المبادرة أن أي علاقة مستدامة تحتاج أيضاً إلى معالجة آثار الخطاب السياسي والإعلامي الذي رافق مراحل سابقة، والعمل على الحد من التحريض والتضليل الذي ساهم في تعميق الانقسام بين المجتمعين.
ويأتي ذلك في وقت تمر فيه العلاقة اللبنانية–السورية بمرحلة إعادة ترتيب واسعة، بعدما شهدت السنوات الأخيرة تحولات سياسية كبرى في سوريا وانعكاسات مباشرة على لبنان، ما أعاد فتح مجموعة من الملفات التي بقيت عالقة بين البلدين، من الحدود والاتفاقات الثنائية إلى السجناء واللاجئين والعلاقات الأمنية.
وتطرح الجمعية في رؤيتها الانتقال من مفهوم العلاقة المفروضة أو المرتبطة بموازين القوى إلى علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، بحيث يصبح التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي عاملاً أساسياً في تثبيت الاستقرار على جانبي الحدود.
وتعتبر المبادرة أن المصالح المشتركة بين البلدين يمكن أن تشكل قاعدة عملية للعلاقة الجديدة، خصوصاً في مجالات التجارة والنقل والثقافة والتعليم والسياحة والتواصل بين المؤسسات والمجتمعات المحلية.
وفي خلفية هذا الطرح، يبقى التاريخ الحديث للعلاقات اللبنانية–السورية حاضراً بقوة، ولا سيما مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان وما رافقها من خلافات واتهامات وملفات سياسية وأمنية لا تزال آثارها قائمة.
لكن الجمعية تراهن على أن معالجة هذا الإرث لا تكون عبر تجاهله أو إعادة إنتاجه، بل من خلال فتح مساحات للحوار والمصالحة والعدالة، بما يسمح بفصل العلاقات بين الشعبين عن الصراعات السياسية التي حكمت مراحل طويلة من الماضي.
وبذلك، تسعى المبادرة الجديدة إلى الدفع باتجاه نموذج مختلف للعلاقة بين بيروت ودمشق، يقوم على دولتين مستقلتين تتعاونان في الملفات المشتركة، ومجتمعين قادرين على إعادة بناء التواصل بعيداً عن لغة الوصاية أو التبعية أو الصراع.
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع مساعٍ رسمية لإعادة تفعيل العلاقات اللبنانية–السورية على أسس جديدة، ما يضع المبادرة أمام اختبار فعلي: هل تنجح في تحويل التقارب السياسي بين الحكومتين إلى تقارب شعبي ومجتمعي قادر على الصمود أمام الملفات الخلافية التي لا تزال مفتوحة؟











