تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع دخول الحصار الأميركي وتشديد العقوبات مرحلة أكثر تأثيراً على مصادر دخل طهران، في وقت تظهر فيه المؤشرات الاقتصادية تراجعاً حاداً في صادرات النفط والتجارة الخارجية، بالتوازي مع انهيار الريال وارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة.
ومنذ استئناف الولايات المتحدة حصارها البحري على حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية في منتصف تموز، تراجعت قدرة طهران على تصدير النفط، أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إليها.
وتشير تقديرات تتبع حركة الناقلات إلى أن تحميلات الخام الإيراني هبطت من نحو مليوني برميل يومياً في آذار إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً خلال آب، في واحدة من أكبر الضربات التي يتلقاها قطاع النفط الإيراني خلال السنوات الأخيرة.
وباتت إيران تعتمد بصورة متزايدة على مخزونات نفط عائمة خارج مياهها، فيما يصعب على عدد من الناقلات العودة إلى الموانئ الإيرانية وتحميل شحنات جديدة، ما يهدد بتقليص هذه المخزونات تدريجياً إذا استمر الحصار.
ولا تقتصر الضغوط على النفط. فقد أقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن حركة الصادرات والواردات تراجعت بما يتراوح بين 25 و35 في المئة خلال الأشهر الأخيرة، معترفاً بأن العقوبات والحصار باتا يتركان أثراً مباشراً على الاقتصاد.
وفي الداخل، تتفاقم أزمة القدرة الشرائية. فقد بلغ التضخم السنوي نحو 66 في المئة في تموز، فيما ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات بأكثر من 128 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي موازاة ذلك، تجاوز سعر الدولار مستوى مليوني ريال، ووصل في التداولات الأخيرة إلى نحو 2.2 مليون ريال، ما يرفع كلفة الواردات ويزيد الضغط على أسعار السلع الأساسية.
وتضاف إلى هذه الصورة أزمة في تأمين الوقود، وسط مؤشرات إلى تراجع المخزونات والقدرة على تلبية الطلب المحلي، ما دفع المسؤولين الإيرانيين إلى البحث في خيارات تتعلق بالاستهلاك والدعم والأسعار، في وقت يحذرون فيه من تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وفي المقابل، تحاول السلطات الإيرانية طمأنة الأسواق. فقد أكد حاكم المصرف المركزي أن البلاد لا تزال تملك احتياطات من العملات الأجنبية، وأن البنك قادر على التدخل في سوق الصرف وضخ مبالغ تصل إلى ملياري دولار إذا اقتضت الحاجة.
لكن واشنطن تواصل في الوقت نفسه تضييق القنوات المالية التي تعتمد عليها طهران للالتفاف على العقوبات. وفي أحدث خطواتها، استهدفت مؤسسات مالية في تركيا اتهمتها بتسهيل تحويل عائدات إيرانية ونقل الأموال عبر شبكات مرتبطة بإيران.
وبذلك، لم تعد المواجهة الاقتصادية تدور فقط حول منع إيران من بيع نفطها، بل حول تضييق قدرتها على تحويل عائداته وتحريك الأموال والوصول إلى النظام المالي الدولي.
ورغم أن الاقتصاد الإيراني لم يصل إلى مرحلة الانهيار، فإن استمرار الحصار بهذا المستوى يضع طهران أمام معادلة أصعب مع مرور الوقت: عائدات نفط أقل، تجارة أضعف، عملة تتراجع، وتضخم يضغط بصورة متزايدة على حياة الإيرانيين.
ومع استمرار المواجهة وغياب اختراق سياسي حاسم، يبدو أن الرهان الأميركي بات واضحاً: جعل كلفة الوقت أعلى على طهران، إلى حد يدفعها في النهاية إلى العودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة.











