تتجه الحكومة الإيرانية إلى تشديد إدارة الإنفاق واستهلاك الطاقة داخل مؤسسات الدولة، في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران مع استمرار العقوبات الأميركية وتراجع حركة التجارة والاختلالات المتزايدة في قطاعات الكهرباء والغاز والمياه.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وضع المؤسسات والدوائر الحكومية في مقدمة الجهات التي ستتحمل إجراءات خفض الاستهلاك، مع إمكانية تقليص العمل في بعض المباني أو دمج نشاط مؤسسات حكومية بصورة مؤقتة عند الحاجة، بهدف توفير موارد الطاقة وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية.
وتضع الحكومة استمرار عمل المصانع والمنشآت الصناعية في صدارة أولوياتها مع اقتراب فصل الشتاء، بعدما أصبحت المحافظة على دورة الإنتاج والوظائف أكثر حساسية في ظل الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت أقر فيه بزشكيان بتراجع الصادرات والواردات الإيرانية بما يتراوح بين 25 و35 في المئة تحت وطأة العقوبات والقيود المفروضة على حركة التجارة، فيما تعاني البلاد في الوقت نفسه من تضخم مرتفع ونقص في موارد النقد الأجنبي وضغوط متزايدة على قطاعات الطاقة.
ولا تقتصر إعادة ترتيب الأولويات على الكهرباء والغاز. فالحكومة تبحث أيضاً في كلفة الدعم الحكومي، ولا سيما في قطاع الوقود، مع طرح رفع سعر البنزين الذي يتم شراؤه خارج الحصص المدعومة، في مؤشر إلى اتساع النقاش الداخلي حول قدرة الخزينة على الاستمرار في تحمل مستويات الدعم الحالية.
وفي المقابل، تحاول طهران تجنب نقل الجزء الأكبر من كلفة الأزمة مباشرة إلى المواطنين، خشية إضافة ضغوط معيشية جديدة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. لذلك تبدو المؤسسات الحكومية بمثابة خط الدفاع الأول في خطة ترشيد الاستهلاك، بينما يُراد إبقاء الطاقة متاحة قدر الإمكان للمنازل والقطاعات المنتجة.
اقتصادياً، تكشف الإجراءات الجديدة تحولاً في إدارة الأزمة الإيرانية. فبعد سنوات من التعويل على الالتفاف على العقوبات والمحافظة على حركة التجارة عبر قنوات بديلة، باتت الحكومة تتعامل بصورة أكثر وضوحاً مع ضرورة خفض الاستهلاك وحماية الموارد المتاحة وإعادة توزيعها وفق الأولويات.
لكن الخطاب الداخلي المتشدد اقتصادياً يتزامن مع رسالة سياسية أكثر مرونة إلى الخارج.
فبزشكيان جدد التأكيد أن إيران لا تبحث عن استمرار الحرب، وأن معالجة الخلافات عبر الحوار لا تزال ممكنة، في مقابل التشديد على أن طهران سترد على أي هجوم ولن تقبل بأن تتحول الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى وسيلة لإجبارها على الاستسلام.
وبين الدعوة إلى الحوار والاستعداد لمزيد من القيود الداخلية، تبدو الحكومة الإيرانية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الإنتاج والخدمات الأساسية من جهة، ومنع الأزمة الاقتصادية من الانتقال بصورة أكبر إلى الشارع من جهة أخرى.
ومع استمرار الضغط الأميركي وتراجع التجارة والحاجة المتزايدة إلى إدارة موارد الطاقة، لم يعد التقشف في إيران مجرد خيار مالي، بل بات جزءاً من إدارة اقتصاد يعمل تحت ظروف حرب وعقوبات متزامنة











