بينما تتسابق دول العالم على تطوير مناهجها، وتزويد المدارس بالأجهزة اللوحية والشاشات الذكية، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الصفوف، يعود تلامذة الجنوب في لبنان إلى مدارسهم ليجلسوا على أرض من الباطون، في مشهد يختصر المسافة بين ما وصل إليه التعليم في العالم وما أوصلت إليه الحروب أبناء هذه المنطقة.
في مدرسة برج قلاوية، لا يبدو “التعليم عن قرب” عودةً طبيعية إلى المقاعد الدراسية، بل محاولة لإنقاذ عام دراسي وسط ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم. فلا صفوف مجهّزة كما يجب، ولا بيئة مدرسية تليق بالأطفال، فيما يحاول التلامذة متابعة دروسهم داخل واقع أثقلته الحرب وخلّفت فيه دماراً لم يوفّر حتى المدارس.
هذه الصورة ليست تفصيلاً عابراً ولا مشهداً يصلح للاستثمار العاطفي فقط، بل نتيجة مباشرة لخيارات سياسية وعسكرية فُرضت على الجنوب وأهله. فبينما كان حزب الله يرفع شعارات “الإسناد” و”الانتصار”، كان أطفال الجنوب يخسرون منازلهم ومدارسهم واستقرارهم، ويدفعون من تعليمهم ومستقبلهم ثمن حرب لم يختاروها ولم يُسألوا عنها.
من اعتاد الحديث باسم الجنوب عليه أن ينظر جيداً إلى أطفاله وهم يدرسون على الباطون. ومن قدّم الحرب بوصفها حمايةً لهم، عليه أن يشرح كيف تحوّلت هذه “الحماية” إلى قرى منكوبة ومدارس متضررة وأجيال تبدأ عامها الدراسي من دون الحد الأدنى من التجهيزات.
العالم يفتح أبواب المستقبل أمام تلامذته عبر التكنولوجيا والتعليم الحديث، فيما يحاول أطفال برج قلاوية انتزاع حقهم في التعلّم من قلب الدمار. تلك ليست بطولة، ولا صورة من صور الصمود التي تُستخدم لتجميل الكارثة؛ إنها إدانة واضحة لكل من وضع الجنوب وأهله في مرمى حرب جديدة، ثم ترك أبناءه يدرسون على الباطون.











