تخوين عون وسلام وتهديد بحرق لبنان… هل أصبح سلاح الحزب فوق الدولة؟!
في تصريحه الأخير، لم يكتفِ المفتي أحمد قبلان بمهاجمة أداء السلطة التنفيذية؛ بل وصفها بأنها تعمل لمصلحة “مشروع أميركي صهيوني”، وطالبها بـ”التوبة الوطنية”، ثم ربط شرعية الدولة والمؤسسات بشرعية “المقاومة”، محذّراً من أن أي خطأ بشأنها سيكون “إعلان حرب” و”حرقاً لكل شبر من لبنان”. هذه ليست عبارات عابرة، بل خطاب يضع المسؤولين والدولة تحت شبهة العمالة، ثم يلوّح بكارثة وطنية إذا لم تُرسم السياسة وفق شروطه.
من حقّ أي رجل دين أو مواطن أن ينتقد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وأن يعارض قراراتهما. لكن اتهام السلطة بأنها تعمل لمصلحة إسرائيل، ووصف قراراتها بـ”العار الوطني”، يتجاوز النقد إلى التخوين السياسي. فهل صار كل اختلاف مع موقف قبلان أو مع سلاح حزب الله دليلاً على خدمة تل أبيب؟ وهل يُطلب من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يبرّرا قراراتهما أمام الدولة والدستور، أم أمام جهة تملك وحدها حق تعريف الوطنية والخيانة؟
والأخطر عبارة “أي خطأ بخصوص المقاومة”. ما المقصود بالخطأ؟ هل يشمل فتح نقاش حول السلاح وقرار الحرب والسلم؟ هل يشمل تطبيق القانون على الجميع؟ وهل يعني أن الدولة لا تستطيع مساءلة أي جهة أو اتخاذ أي قرار إذا اعتُبر ذلك مساساً بالمقاومة؟ حين تبقى هذه “الخطوط الحمراء” بلا تعريف، يصبح كل اعتراض قابلاً للتصوير كإعلان حرب، ويُستبدل النقاش السياسي بالتهديد.
أما التلويح بحرق لبنان فلا يحمي البلد ولا أهله. إنه يضع اللبنانيين أمام معادلة قسرية: إما القبول بخيار سياسي واحد، وإما تحمّل مسؤولية الخراب. لكن لا أحد يملك تفويضاً بإحراق بلد كامل أو التهديد بذلك باسم طائفة أو مقاومة أو قضية. والجنوب والضاحية والبقاع، كما سائر المناطق، ليسوا أوراق ضغط في مواجهة الدولة.
إذا كان قبلان يتمسّك بلبنان الواحد والعيش المشترك، فليبدأ برفض تخوين المسؤولين واحتكار الوطنية. شرعية الدولة لا تأتي من شرعية أي حزب أو قوة مسلّحة؛ مصدرها الدستور وإرادة اللبنانيين ومؤسساتهم. ومن يريد حماية لبنان، لا يجعل الاعتراض على سلاح جهة واحدة جريمة، ولا يهدّد بحرق الوطن دفاعاً عن هذا الاحتكار.













