لم يكن قانون العفو العام مجرد مادة أُقرّت داخل مجلس النواب وانتهى النقاش حولها، فخلف السجال القانوني ظهرت مواجهة سياسية تحمل في داخلها حسابات المرحلة المقبلة، بعدما اختار رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل رفع سقف اعتراضه، مطالباً رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برد القانون وعدم الاكتفاء بالطعن به، معتبراً أن النص يتضمن مخالفات دستورية وقانونية كبيرة، ومتهماً مجلس النواب بإلحاق الضرر بالجيش والشعب عبر إطلاق سراح فئات تضم قتلة وتجار مخدرات وإرهابيين.
في المقابل، يرى مصدر نيابي حالي عبر موقع "الحقيقة.نت" أن مقاربة الملف من زاوية الضغوط الخارجية لا تعكس حقيقة الطريق الذي سلكه القانون، كون إقراره جاء نتيجة توازنات داخلية داخل المجلس النيابي وتوافقات سياسية بين أكثرية نيابية وموقف حكومي داعم، إضافة إلى وحدة موقف لدى عدد من القوى التي دفعت باتجاه إنهاء هذا الملف.
ويعتبر أن محاولة تحويل القضية إلى معركة دفاع عن الجيش تحمل الكثير من المزايدات السياسية، فالجيش مؤسسة وطنية تتبع للسلطة التنفيذية ولا يجوز استخدام اسمه في كل مواجهة سياسية، خصوصاً من قوى سياسية سبق لها أن رفعت شعارات مرتبطة بمعادلة "جيش وشعب ومقاومة" في مراحل سابقة، بينما كان دور المؤسسة العسكرية نفسه موضع نقاش وصراع.
ويذهب المصدر أبعد من ذلك عندما يقول إن من سلب دور الجيش في ملفات أساسية لا يملك اليوم حق احتكار الحديث باسمه، مشيراً إلى أن حزب الله كان من أبرز القوى التي دعمت تمرير قانون العفو، وأن التيار الوطني الحر كان يسير في الاتجاه نفسه قبل أن يتحول الخطاب بعد إقرار القانون إلى موقع الاعتراض، في مشهد يراه المصدر محاولة لإعادة التموضع السياسي بعد انتهاء مرحلة التصويت.
ويضيف أن استخدام اسم الجيش في هذا الملف يحتاج إلى الكثير من الحذر، لأن المؤسسة العسكرية ليست ورقة تُستخدم عند الحاجة ثم تُترك جانباً عند تغير الظروف، ومن يريد حماية الجيش فعليه أن يدعم صلاحياته وقراره الوطني، لا أن يحوِل اسمه إلى عنوان انتخابي أو سياسي.
أما عن موقف باسيل، فيرى المصدر أن المشكلة لا ترتبط فقط بالاعتراض على القانون، إنما بطريقة الانتقال بين المواقف السياسية، معتبراً أن الرجل أصبح في موقع سياسي يصعب تثبيت اتجاهه بعدما تغيرت تحالفاته وخياراته خلال السنوات الماضية.
ويشير المصدر إلى أن موقف رئيس الحكومة نواف سلام جاء لوضع النقاش ضمن حدوده الدستورية ومنع انفلاته نحو مواجهة مفتوحة بين المؤسسات، بعدما حاولت أطراف عدة نقل الملف من قضية قانونية إلى معركة سياسية واسعة.
وفي خلاصة المشهد، يرى المصدر أن قانون العفو كشف خطوط التماس الحقيقية بين القوى، حيث عاد الخلاف حول دور الدولة والجيش والسلاح إلى الواجهة، فيما بقي الأمر الأساسي مرتبطاً بقدرة المؤسسات على فرض منطقها بعيداً عن الحسابات التي ترافق كل استحقاق سياسي.











