في الملفات الأمنية الحساسة، قد تقود أصغر التفاصيل إلى أخطر الخيوط، اسم في سجل رسمي، رقم جواز سفر، بيانات مواطن لبناني، أو وثيقة تبدو سليمة في الشكل والمضمون، ثم تظهر لاحقاً مفارقة تكشف أن صاحب الوثيقة المسجل في السجلات ليس بالضرورة الشخص الذي استخدمها فعلياً، ومن هنا يبدأ أحد أكثر الملفات إثارة للقلق، حين تتقاطع منظومة الهوية اللبنانية مع معلومات عن أشخاص يُشتبه بارتباطهم بالحرس الثوري الإيراني.
تشير المعلومات التي يجري تداولها في هذا السياق إلى تحقيقات تبحث في احتمال استخدام بيانات تعود إلى مواطنين لبنانيين، بينهم أشخاص متوفون، في إصدار جوازات سفر استُخدمت لاحقاً من قبل أشخاص آخرين، وهو سيناريو يختلف جذرياً عن عملية تزوير تقليدية، لأن الوثيقة في هذه الحالة تكون صادرة عن مؤسسة رسمية، وتحمل رقماً صحيحاً وبيانات موجودة أصلاً ضمن سجلات الدولة، فيما تكمن المشكلة في الشخص الذي يحملها ويستخدمها.
وهنا تنتقل القضية من سؤال، هل الجواز مزور، إلى سؤال أكثر خطورة، كيف أمكن لشخص أن يتحرك بوثيقة رسمية تحمل بيانات شخص آخر، ومن أين حصل على هذه البيانات، وكيف اجتاز المراحل الإدارية التي سبقت إصدار الوثيقة، ومن ساعده لاحقاً في تأمين الإقامة والتنقل والغطاء الميداني، وهي أسئلة تدفع التحقيقات نحو منظومة أوسع من مجرد البحث عن حامل جواز سفر.
وبحسب معطيات "الحقيقة.نت" الأمنية فإن التدقيق لا يقتصر على الأشخاص الذين ظهرت أسماؤهم في سياق عمليات استهداف إسرائيلية لشخصيات مرتبطة بالحرس الثوري داخل بيروت، وإنما يمتد إلى المسار الإداري الذي سمح بظهور هويات يمكن استخدامها من أشخاص آخرين، مع البحث في الثغرات التي ربما استُغلت داخل بعض الإدارات اللبنانية، وفي أي تدخلات سياسية أو أمنية كان لها دور في تسهيل تمرير البيانات أو الوثائق.
بالتالي، تكمن خطورة هذا النوع من الملفات في أن حامل الوثيقة لا يدخل بالضرورة إلى دائرة الاشتباه عند استخدام جواز يحمل بيانات حقيقية، فالتدقيق الأولي قد يجد اسماً لبنانياً موجوداً في النظام،ورقماً رسمياً، وبيانات تبدو مكتملة، بينما تبقى الهوية الفعلية للشخص خارج الصورة، وهنا تتحول الوثيقة الرسمية من وسيلة سفر إلى غطاء يسمح لشخص مجهول الهوية الحقيقية بالتحرك تحت اسم شخص آخر.
ومن هذه النقطة تتوسع دائرة البحث نحو شبكة الدعم المحيطة، إذ إن وجود عناصر أمنية أو عسكرية مرتبطة بجهة خارجية داخل لبنان لا يرتبط عادة بجواز سفر فقط، وإنما يحتاج إلى ترتيبات تتصل بالسكن، والتنقل، والعلاقات المحلية، والاتصالات، والقدرة على الانتقال بين المناطق بعيداً عن أي تدقيق يفضي إلى كشف الهوية الحقيقية، ولذلك فإن أي تحقيق جدي في هذا الملف يفترض أن يتتبع الطريق كاملاً، من السجل المدني إلى الوثيقة، ومن الوثيقة إلى حاملها، ومن حاملها إلى الجهة التي أمّنت له بيئة الحركة.
ولا تقف معطيات موقعنا عند العاصمة، إذ تظهر في مسار البحث إشارات إلى مناطق ذات حساسية أمنية وعسكرية في الجنوب، بينها محيط تلة علي الطاهر، حيث تطرح معلومات أمنية فرضيات حول وجود عناصر أو خبراء مرتبطين بالحرس الثوري خلال مراحل سابقة، مع احتمال استخدام بعض الأشخاص لهويات غير حقيقية أو وثائق تحمل بيانات أشخاص آخرين، وهي معطيات تبقى في إطار التحقيق والبحث، وتحتاج إلى أدلة مستقلة لحسمها.
وتزداد حساسية هذه النقطة وفق مصادر امنية بالنظر إلى الموقع الذي تحتله تلة علي الطاهر ضمن المشهد العسكري في الجنوب، فهي منطقة ارتبط اسمها عبر سنوات طويلة بحسابات ميدانية وأمنية، ولذلك فإن ورودها ضمن مسار التحقيق في الهويات والجوازات يضيف بعداً آخر إلى القضية، خصوصاً إذا تمكنت الأجهزة المختصة من إثبات وجود صلة بين حركة أشخاص يحملون هويات لبنانية وبين شبكات عسكرية أو أمنية مرتبطة بجهات خارجية.
وهنا تظهر واحدة من أخطر الثغرات التي تبحث فيها التحقيقات، وهي المسافة بين الهوية القانونية والهوية الحقيقية، فإذا كان الاسم صحيحاً والبيانات صحيحة والوثيقة صادرة رسمياً، بينما الشخص الذي يستخدمها مختلف عن صاحبها، فإن الخلل لا يكون في الجواز نفسه، وإنما في المنظومة التي سمحت بانفصال الوثيقة عن صاحبها الحقيقي، وهي ثغرة يمكن أن تحمل تداعيات أمنية وسيادية تتجاوز ملف التزوير التقليدي.
كما أن احتمال استخدام بيانات أشخاص متوفين يرفع مستوى الخطورة، لأن البيانات المدنية في هذه الحالة تصبح مادة قابلة لإعادة الاستخدام بعد وفاة أصحابها، وإذا ثبت انتقالها إلى أشخاص آخرين، فإن السؤال لا يعود متعلقاً فقط بحماية وثائق السفر، وإنما بحماية السجل الوطني نفسه، ومن يمتلك القدرة على الوصول إلى المعلومات، ومن يستطيع إدخال تعديلات أو تمرير معاملات، ومن يتحمل المسؤولية عند ظهور وثيقة رسمية لشخص يستخدم هوية لا تخصه.
وفي ظل تركيز إسرائيل على تفكيك شبكات مرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله، تصبح الهويات المستعارة والجوازات والبيانات المدنية جزءاً من المعركة الاستخباراتية، لأن كشف مسار وثيقة واحدة يمكن أن يقود إلى أسماء أخرى، وعلاقات أخرى، ومواقع أخرى، وربما إلى شبكة كاملة كانت تعتمد على الغطاء القانوني للحركة داخل لبنان وخارجه.
لهذا، فإن السؤال الأخطر في القضية لا يتعلق فقط بمن حمل الجواز اللبناني، وإنما بمن أتاح له الوصول إليه، وكيف انتقلت بيانات المواطن اللبناني إلى يد شخص آخر، ومن أمّن له الطريق بعد حصوله على الوثيقة، وهل نحن أمام حالات منفردة جرى استغلالها، أم أمام آلية أكثر تنظيماً سمحت بتحويل الهوية اللبنانية إلى غطاء أمني لأشخاص يعملون ضمن شبكات مرتبطة بجهات خارجية.








