العالم يتغير… ومن لا يقرأ التاريخ يبقى أسير المفاجأة
لم يكن من الصعب على من يتأمل مسار التاريخ أن يدرك، منذ أكثر من أربعة عقود، أن النظام الدولي الذي نشأ في أعقاب الحقبة الاستعمارية الأوروبية ليس نظامًا أبديًا. فقد قامت بنيته على توازنات ظرفية فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، وعلى ثنائية قطبية حكمت العالم لعقود. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي بدا وكأن العالم دخل مرحلة الهيمنة الأحادية، غير أن هذه اللحظة لم تكن سوى طور عابر في مسار أطول يتجه نحو تعددية في مراكز القوة والنفوذ.
في السياق ذاته، لم يكن النظام الإقليمي الذي أفرزته اتفاقية سايكس–بيكو أكثر صلابة من النظام الدولي نفسه. فهذه الخرائط التي رُسمت على عجل فوق جغرافيا المشرق الإسلامي لم تكن تعبيرًا عن توازنات تاريخية أو اجتماعية حقيقية، بل كانت نتاجًا لقرار استعماري هدفه تفكيك المجال الحضاري الواحد إلى كيانات متجاورة ومتنافسة. ولذلك فإن ما نشهده اليوم من تصدعات في بنية الدولة القطرية ليس حدثًا استثنائيًا أو طارئًا، بل هو مآل طبيعي لبنية سياسية مصطنعة قامت منذ البداية على الفصل بين الجغرافيا والتاريخ.
وفي الوقت نفسه بدأت إحدى أكبر السرديات التي روج لها الفكر الغربي الحديث تتعرض لمراجعات عميقة. فقد صُوّرت “المعجزة الأوروبية” و“المعجزة اليونانية” طويلًا بوصفهما لحظة الميلاد الحصرية للحضارة الإنسانية الحديثة، غير أن دراسات التاريخ العالمي المعاصر كشفت أن الحضارة لم تكن ثمرة قفزة مفاجئة في أوروبا وحدها، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل شاركت في صنعه حضارات الشرق القديم، ثم الحضارة الإسلامية التي لعبت دور الوسيط الخلاق في نقل المعرفة وتطويرها.
أما التحولات الاستراتيجية الجارية في النظام الدولي اليوم — من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية للقوى الكبرى — فهي تعكس تحولًا أعمق في طبيعة الصراع العالمي. فالمشهد الدولي لم يعد يدور حول إدارة الأزمات في الأطراف بقدر ما يتجه نحو منافسة مباشرة بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي منافسة تعيد رسم خرائط النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا في العالم.
وفي ظل هذا التحول الكبير تتكشف أيضًا طبيعة كثير من الصراعات التي قُدّمت لسنوات طويلة بوصفها صراعات وجودية أو قدرية. إذ يتضح تدريجيًا أن بعضها لم يكن سوى أدوات ضمن توازنات دولية أوسع، وأن فهمها بمعزل عن السياق الجيوسياسي العام كان يؤدي إلى قراءة قاصرة للواقع.
إن العالم يقف اليوم على أعتاب طور جديد من إعادة تشكيل موازين القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح الفارق كبيرًا بين من يقرأ الأحداث بوصفها مفاجآت متلاحقة، ومن يدرك أنها حلقات في مسار تاريخي يمكن استشراف اتجاهه. فالتاريخ لا يُفهم بعد وقوعه فقط، بل يُفهم أيضًا من خلال القدرة على رؤية ما يتهيأ في الأفق قبل أن يصبح واقعًا. ومن هنا تبدأ السياسة الحقيقية: من فهم منطق التاريخ لا من ملاحقة نتائجه.

عادل اسماعيل:العالم يتغير… ومن لا يقرأ التاريخ يبقى أسير المفاجأة

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
عادل اسماعيل:العالم يتغير… ومن لا يقرأ التاريخ يبقى أسير المفاجأة

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
العالم يتغير… ومن لا يقرأ التاريخ يبقى أسير المفاجأة
لم يكن من الصعب على من يتأمل مسار التاريخ أن يدرك، منذ أكثر من أربعة عقود، أن النظام الدولي الذي نشأ في أعقاب الحقبة الاستعمارية الأوروبية ليس نظامًا أبديًا. فقد قامت بنيته على توازنات ظرفية فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، وعلى ثنائية قطبية حكمت العالم لعقود. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي بدا وكأن العالم دخل مرحلة الهيمنة الأحادية، غير أن هذه اللحظة لم تكن سوى طور عابر في مسار أطول يتجه نحو تعددية في مراكز القوة والنفوذ.
في السياق ذاته، لم يكن النظام الإقليمي الذي أفرزته اتفاقية سايكس–بيكو أكثر صلابة من النظام الدولي نفسه. فهذه الخرائط التي رُسمت على عجل فوق جغرافيا المشرق الإسلامي لم تكن تعبيرًا عن توازنات تاريخية أو اجتماعية حقيقية، بل كانت نتاجًا لقرار استعماري هدفه تفكيك المجال الحضاري الواحد إلى كيانات متجاورة ومتنافسة. ولذلك فإن ما نشهده اليوم من تصدعات في بنية الدولة القطرية ليس حدثًا استثنائيًا أو طارئًا، بل هو مآل طبيعي لبنية سياسية مصطنعة قامت منذ البداية على الفصل بين الجغرافيا والتاريخ.
وفي الوقت نفسه بدأت إحدى أكبر السرديات التي روج لها الفكر الغربي الحديث تتعرض لمراجعات عميقة. فقد صُوّرت “المعجزة الأوروبية” و“المعجزة اليونانية” طويلًا بوصفهما لحظة الميلاد الحصرية للحضارة الإنسانية الحديثة، غير أن دراسات التاريخ العالمي المعاصر كشفت أن الحضارة لم تكن ثمرة قفزة مفاجئة في أوروبا وحدها، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل شاركت في صنعه حضارات الشرق القديم، ثم الحضارة الإسلامية التي لعبت دور الوسيط الخلاق في نقل المعرفة وتطويرها.
أما التحولات الاستراتيجية الجارية في النظام الدولي اليوم — من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية للقوى الكبرى — فهي تعكس تحولًا أعمق في طبيعة الصراع العالمي. فالمشهد الدولي لم يعد يدور حول إدارة الأزمات في الأطراف بقدر ما يتجه نحو منافسة مباشرة بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي منافسة تعيد رسم خرائط النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا في العالم.
وفي ظل هذا التحول الكبير تتكشف أيضًا طبيعة كثير من الصراعات التي قُدّمت لسنوات طويلة بوصفها صراعات وجودية أو قدرية. إذ يتضح تدريجيًا أن بعضها لم يكن سوى أدوات ضمن توازنات دولية أوسع، وأن فهمها بمعزل عن السياق الجيوسياسي العام كان يؤدي إلى قراءة قاصرة للواقع.
إن العالم يقف اليوم على أعتاب طور جديد من إعادة تشكيل موازين القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح الفارق كبيرًا بين من يقرأ الأحداث بوصفها مفاجآت متلاحقة، ومن يدرك أنها حلقات في مسار تاريخي يمكن استشراف اتجاهه. فالتاريخ لا يُفهم بعد وقوعه فقط، بل يُفهم أيضًا من خلال القدرة على رؤية ما يتهيأ في الأفق قبل أن يصبح واقعًا. ومن هنا تبدأ السياسة الحقيقية: من فهم منطق التاريخ لا من ملاحقة نتائجه.







