مدرعة في الصورة ووطن خلفها: قوة تُصنع في الداخل وجوار يُبنى بالحكمة
تلفت المدرعة الأنظار حين تظهر في الصورة، غير أن ما يغيّر حسابات الخصم حقاً يقع خلفها. فالصورة تعرض آلية مصفحة، أما الحقائق فتكشف وطناً يبني بيده القدرة التي تقف وراء كل آلية وكل منظومة، وهذه قوة لا يدركها من يكتفي بالنظر إلى السطح.
فمجمع «سامي لاند» للأنظمة الأرضية هو أكبر مجمع صناعي متكامل من نوعه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبلغ مساحته ٨٢ ألف متر مربع داخل نطاق صناعي مساحته مليون متر مربع، وبقدرة معلنة تصل إلى ١٬٥٠٠ عربة عسكرية سنوياً. وقد عرضت «سامي» في معرض الدفاع العالمي ٢٠٢٦ أكثر من ٦٠ منتجاً وقدرة وطنية، ووقعت ٢٥ اتفاقية استراتيجية لتعزيز نقل التقنية وتوطين المعرفة.
ففي البر، يقدم برنامج «هيت» بملكية فكرية وتصميم سعوديين عربات بفئات ٤×٤ و٦×٦ و٨×٨ لحماية الحدود والاستطلاع والاستجابة السريعة، ويزيدها حضوراً برج «رؤية» المطور محلياً بعيار ١٢٫٧ ملم. وفي البحر يبرز نظام «حازم» لإدارة القتال البحري، وهو أشبه بغرفة عمليات داخل السفينة، فقوة السفينة لا تقاس بهيكلها وحده، بل بالعقل الذي يديرها.
أما في الجو، فتشغل المملكة أكبر أسطول من طائرات «إف ١٥» خارج الولايات المتحدة، وتبني داخلها قدرات تدعم جاهزيته. ففي «سامي السلام للصناعات الجوية» يصنع مهندسون وفنيون سعوديون أجزاء الطائرات ويجمعون أجنحة «إف ١٥ إس إيه» ومقدمة هيكلها، وقد أعلنت «سامي» إنتاج وتسليم ٨٬٥٠٠ جزء من أجزاء الطائرات خلال عام ٢٠٢٤ وحده. وتمتد القدرات إلى الرادار والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني، وإلى المسيّرات التي يحوّل فيها «سكاي غارد» و«صقر ١» البحث والتطوير إلى قدرة صناعية وطنية.
وهنا يحق لكل سعودي أن يرفع رأسه، فهذه ثمرة عقول أبناء الوطن وسواعدهم، وحصاد رؤية آمنت بأن الأمم لا تحمي نفسها بما تستورده، بل بما تصنعه. وفي ذلك درس لكل دولة عربية تبحث عن موقعها في عالم لا يحترم إلا من يملك قراره وقدرته.
ومن تلك الدول لبنان، الذي عليه أن يجعل بناء تحالف صحي وتقارب أقوى مع المملكة أولوية وطنية. فالرياض كانت في أصعب لحظاته سنداً لدولته لا لفئة منه، وجاء اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ برعاية سعودية ليطوي حرباً أهلية ويعيد صياغة العيش المشترك. واحتضنت المملكة على مدى عقود مئات الآلاف من اللبنانيين الذين وجدوا فيها العمل والاستقرار، وكان ما يرسلونه شريان حياة لأسرهم. وكم من لبناني ولد على أرضها وشب فيها، فحمل في قلبه حب بيروت والرياض معاً. ولن ينهض لبنان من أزمته بالشعارات، بل بالثقة والاستثمار والإصلاح، ولن يتجه الاستثمار العربي إلا إلى دولة تبسط سلطتها وتحصر قرار السلم والحرب بيدها. وأي علاقة صحية بين العاصمتين ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل، يكون فيها لبنان شريكاً كامل السيادة لا تابعاً ولا خصماً.
ولمن يتربص بالمملكة ويراهن على إنهاكها، فالرسالة واضحة: أضف إلى حساباتك المهندس الذي يصمم، والفني الذي ينتج، والمختص الذي يختبر، والكوادر التي تحافظ على الجاهزية، وأضف إليها أصدقاء المملكة وأشقاءها الذين يدركون أن أمن الرياض ركن من استقرار المنطقة. وكل قدرة نوطنها تضيق مساحة رهانك، وكل صداقة صادقة بين عاصمتين عربيتين تقلص من أوراقك واحدة. ومن يحسب قوة السعودية بما تملكه اليوم فحسب، تفوته القوة التي تبنيها للغد.












