إنذار أحمر في قلب العاصمة… مَن فجر فتيل ساقية الجنزير؟
لم يحتج التوتر إلى وقت طويل كي يكشف وجهه العاري في ساقية الجنزير؛ بقعة ضيقة سرعان ما تحولت إلى مرآة واسعة تعكس خللًا عميقًا في العلاقة بين الناس والسلطة، خلاف تقني محدود خرج من حدوده الضيقة، ليتمدّد سريعًا نحو اشتباك مفتوح مع الشارع، امتد صداه إلى عقد أساسية في بيروت فأصاب شرايينها الحيوية بالشلل.
اعتراض على تسعيرة كان الشرارة الأولى، صاحب المولد، المعروف بـ"أبو علي عيتاني"، رفض الامتثال لطلب خفضها، فتدحرج المشهد من نقاش عابر إلى مواجهة مباشرة مع عناصر الدورية وشبان المنطقة، قبل أن يدخل طورًا أكثر حدة، دقائق قليلة كانت كافية لقلب الإيقاع العام، تخللها إطلاق نار في الهواء في محاولة لضبط شارع انفلت من السيطرة.
رواية المديرية العامة لأمن الدولة وضعت ما جرى ضمن إطار قانوني، مشيرة إلى تنفيذ إشارة قضائية صادرة عن النيابة العامة المالية بحق صاحب مولد تخلف عن المثول. إلا أن المهمة تعقدت مع اعتراض الأهالي، ما دفع إلى استخدام السلاح في الهواء لتفريق الحشد من دون تسجيل إصابات وفق المعطيات الرسمية.
المشهد لم يتأخر في التصاعد، فرئيس الحكومة نواف سلام دخل على خط الأزمة بنبرة حاسمة، معتبرًا ما حصل مرفوضًا تحت أي ذريعة، ومصدرًا توجيهات بفتح تحقيقات فورية ومحاسبة المسؤولين في محاولة لاحتواء الغضب وإعادة ترميم الثقة التي تلقت ضربة جديدة.
سياسيًا، ارتفعت النبرة مع موقف أحمد الحريري، الذي تجاوز حدود الإدانة التقليدية، محذرًا من انزلاق بعض الأجهزة نحو ممارسات تلامس الفوضى، ومثيرًا تساؤلات دقيقة حول حدود الدور المؤسسي وإمكان تآكله تحت ضغط الميدان.
دينيًا، حضرت المرجعية عبر تحرك مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، الذي أجرى سلسلة اتصالات مع المعنيين، داعيًا إلى تحقيق عاجل ومعالجة متزنة، في إشارة واضحة إلى حساسية اللحظة وخطورة تمددها.
قضائيًا، تولى القاضي كلود غانم متابعة الملف، فباشر التحقيق مع عدد من عناصر الدورية، بالتزامن مع إخلاء سبيل عيتاني، في خطوة بدت محاولة أولى لتبريد الاحتقان ومنع اتساعه.
في الخلاصة، ما حدث لم يكن واقعة أمنية عابرة، إنما إشارة صارخة إلى أن أي احتكاك غير محسوب بين السلطة والمجتمع، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي مثقل، قادر على إشعال المدينة خلال لحظات، وفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الحادثة نفسها.
من جهته، أكد النائب الدكتور بلال الحشيمي، في حديث إلى موقع "الحقيقة"، أن الأجهزة الأمنية، ومنها أمن الدولة، اتخذت قرارات سابقة في محطات حساسة، مستعيدًا واقعة إضاءة صخرة الروشة من قبل حزب الله، حين وُجه كتاب من رئيس الحكومة في هذا الشأن من دون أن يُترجم إلى تحرك فعلي.
وأشار الحشيمي إلى أن ما جرى يعكس نهجًا استنسابيًا، مضيفًا أن “مش رمانة القلوب مليانة”، في توصيف لحالة احتقان متراكمة، حيث يتنامى شعور لدى الطائفة السنية بأن الكيل قد طفح، وأن الاستمرار بهذا النهج لم يعد ممكنًا، مع انطباع بأن التعامل يجري وكأنها “مكسر عصا”، معتبرًا أن ما شهده الشارع يحمل رسالة واضحة مفادها، إما دولة واحدة بمعايير واحدة أو انكشاف كامل يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن ضبطها.
وأضاف أن بيروت ليست مستباحة، مستنكرًا العبارات النابية التي طالت رئيس الحكومة والطائفة خلال اعتصامات أمام السراي، في ظل غياب أي تحرك أمني متسائلًا عن حدود المقبول في هذا السياق.
وفي توصيفه لطبيعة التحرك، أوضح أن المسألة لا تختصر بالدفاع عن أشخاص، لا بل تعبر عن لحظة انفجار في وجه واقع يُنظر إليه كظلم مزمن، حيث يُطبق القانون بصرامة في مكان ويُهمل في مكان آخر.
وختم بالتشديد على أن الخروج لم يكن على الدولة، بل صرخة داخلها، داعيًا إلى مقاربة أمنية مختلفة تقوم على معيار واحد، لا يُستحضر القانون حينًا ويُغيَب حينًا آخر، ومشيرًا إلى أن تعدد الكتب الصادرة عن رؤساء الحكومات في موضوع وثائق الإتصال، من تمام سلام إلى نجيب ميقاتي وصولًا إلى نواف سلام الذي ارسل كتابين من دون استجابة، يطرح علامات استفهام جدية حول آليات العمل داخل المؤسسات، معتبرًا أن موقف سلام الأخير لم يكن ترفًا، إنما ضرورة لتفادي انزلاق أكثر تعقيدًا.

كتب شادي هيلانة:إنذار أحمر في قلب العاصمة… مَن فجر فتيل ساقية الجنزير؟

شادي هيلانة
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب شادي هيلانة:إنذار أحمر في قلب العاصمة… مَن فجر فتيل ساقية الجنزير؟

شادي هيلانة
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
إنذار أحمر في قلب العاصمة… مَن فجر فتيل ساقية الجنزير؟
لم يحتج التوتر إلى وقت طويل كي يكشف وجهه العاري في ساقية الجنزير؛ بقعة ضيقة سرعان ما تحولت إلى مرآة واسعة تعكس خللًا عميقًا في العلاقة بين الناس والسلطة، خلاف تقني محدود خرج من حدوده الضيقة، ليتمدّد سريعًا نحو اشتباك مفتوح مع الشارع، امتد صداه إلى عقد أساسية في بيروت فأصاب شرايينها الحيوية بالشلل.
اعتراض على تسعيرة كان الشرارة الأولى، صاحب المولد، المعروف بـ"أبو علي عيتاني"، رفض الامتثال لطلب خفضها، فتدحرج المشهد من نقاش عابر إلى مواجهة مباشرة مع عناصر الدورية وشبان المنطقة، قبل أن يدخل طورًا أكثر حدة، دقائق قليلة كانت كافية لقلب الإيقاع العام، تخللها إطلاق نار في الهواء في محاولة لضبط شارع انفلت من السيطرة.
رواية المديرية العامة لأمن الدولة وضعت ما جرى ضمن إطار قانوني، مشيرة إلى تنفيذ إشارة قضائية صادرة عن النيابة العامة المالية بحق صاحب مولد تخلف عن المثول. إلا أن المهمة تعقدت مع اعتراض الأهالي، ما دفع إلى استخدام السلاح في الهواء لتفريق الحشد من دون تسجيل إصابات وفق المعطيات الرسمية.
المشهد لم يتأخر في التصاعد، فرئيس الحكومة نواف سلام دخل على خط الأزمة بنبرة حاسمة، معتبرًا ما حصل مرفوضًا تحت أي ذريعة، ومصدرًا توجيهات بفتح تحقيقات فورية ومحاسبة المسؤولين في محاولة لاحتواء الغضب وإعادة ترميم الثقة التي تلقت ضربة جديدة.
سياسيًا، ارتفعت النبرة مع موقف أحمد الحريري، الذي تجاوز حدود الإدانة التقليدية، محذرًا من انزلاق بعض الأجهزة نحو ممارسات تلامس الفوضى، ومثيرًا تساؤلات دقيقة حول حدود الدور المؤسسي وإمكان تآكله تحت ضغط الميدان.
دينيًا، حضرت المرجعية عبر تحرك مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، الذي أجرى سلسلة اتصالات مع المعنيين، داعيًا إلى تحقيق عاجل ومعالجة متزنة، في إشارة واضحة إلى حساسية اللحظة وخطورة تمددها.
قضائيًا، تولى القاضي كلود غانم متابعة الملف، فباشر التحقيق مع عدد من عناصر الدورية، بالتزامن مع إخلاء سبيل عيتاني، في خطوة بدت محاولة أولى لتبريد الاحتقان ومنع اتساعه.
في الخلاصة، ما حدث لم يكن واقعة أمنية عابرة، إنما إشارة صارخة إلى أن أي احتكاك غير محسوب بين السلطة والمجتمع، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي مثقل، قادر على إشعال المدينة خلال لحظات، وفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الحادثة نفسها.
من جهته، أكد النائب الدكتور بلال الحشيمي، في حديث إلى موقع "الحقيقة"، أن الأجهزة الأمنية، ومنها أمن الدولة، اتخذت قرارات سابقة في محطات حساسة، مستعيدًا واقعة إضاءة صخرة الروشة من قبل حزب الله، حين وُجه كتاب من رئيس الحكومة في هذا الشأن من دون أن يُترجم إلى تحرك فعلي.
وأشار الحشيمي إلى أن ما جرى يعكس نهجًا استنسابيًا، مضيفًا أن “مش رمانة القلوب مليانة”، في توصيف لحالة احتقان متراكمة، حيث يتنامى شعور لدى الطائفة السنية بأن الكيل قد طفح، وأن الاستمرار بهذا النهج لم يعد ممكنًا، مع انطباع بأن التعامل يجري وكأنها “مكسر عصا”، معتبرًا أن ما شهده الشارع يحمل رسالة واضحة مفادها، إما دولة واحدة بمعايير واحدة أو انكشاف كامل يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن ضبطها.
وأضاف أن بيروت ليست مستباحة، مستنكرًا العبارات النابية التي طالت رئيس الحكومة والطائفة خلال اعتصامات أمام السراي، في ظل غياب أي تحرك أمني متسائلًا عن حدود المقبول في هذا السياق.
وفي توصيفه لطبيعة التحرك، أوضح أن المسألة لا تختصر بالدفاع عن أشخاص، لا بل تعبر عن لحظة انفجار في وجه واقع يُنظر إليه كظلم مزمن، حيث يُطبق القانون بصرامة في مكان ويُهمل في مكان آخر.
وختم بالتشديد على أن الخروج لم يكن على الدولة، بل صرخة داخلها، داعيًا إلى مقاربة أمنية مختلفة تقوم على معيار واحد، لا يُستحضر القانون حينًا ويُغيَب حينًا آخر، ومشيرًا إلى أن تعدد الكتب الصادرة عن رؤساء الحكومات في موضوع وثائق الإتصال، من تمام سلام إلى نجيب ميقاتي وصولًا إلى نواف سلام الذي ارسل كتابين من دون استجابة، يطرح علامات استفهام جدية حول آليات العمل داخل المؤسسات، معتبرًا أن موقف سلام الأخير لم يكن ترفًا، إنما ضرورة لتفادي انزلاق أكثر تعقيدًا.








