اغتيال قادة حزب الله في البقاع، هل هو مؤشر انتقال وتكثيف الضربات الإسرائيلية إلى عمق شمال الليطاني؟
غسان بركات
بين أجواء الهبّة الباردة والهبّة الساخنة للحرب المنتظرة بين إيران وأميركا، وعلى إيقاع مكانك راوح لطبول الحرب، وعلى ضوء القرار الكبير المتوقف حاليًا بين الحرب أو التسوية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لا تخلو من التراشق بالتهديدات السياسية بين ترامب وخامنئي، الأول يقول سنضرب إيران ضربات محدودة قد تمتد لأسابيع، والثاني يقول نمتلك قدرات عسكرية قادرة على تحويل حاملات الطائرات الأميركية إلى حطام في قاع المحيطات، وتزامنًا مع كل هذا، وفيما يغرق لبنان بهمومه وأثقاله المعيشية، كانت إسرائيل في هذا الوقت الضائع تلعب وحدها مستفردة بالساحة اللبنانية، فاستهدفت أولًا مركزًا لحركة حماس داخل مخيم عين الحلوة في عاصمة الجنوب صيدا، وثانيًا عملية اغتيال نوعية كبيرة بعد تسوية مبنى بكامله على الأرض، مستهدفة جمعًا من عناصر وحدة الصواريخ التابعة لحزب الله، وعددهم ستة من بينهم قياديان ميدانيان كبيران في بلدة علي النهري – البقاع، ويقال أيضًا إن من بينهم ضابطًا كبيرًا في الحرس الثوري.
بتقديري وتحليلي، ليس كما يقال إن غارة البقاع يوم أمس هي نتيجة لتعثر المفاوضات بين إيران وأميركا، بل هو إنجاز عسكري إسرائيلي مبني على خلفية رصد استخباراتي بشري قام به «الموساد» عن طريق عملاء ميدانيين له من داخل حزب الله المخروق أصلًا من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. وأيضًا إن ما حصل يوم أمس الجمعة في البقاع لا يرتبط بالمفاوضات، بدليل أن عمليات الاغتيالات التي حصلت أو طالت سابقًا قياديين كبارًا في حزب الله بالضاحية الجنوبية، وبخاصة عملية الاغتيال التي استهدفت منذ شهرين القيادي الكبير في حزب الله هيثم الطبطبائي، حيث لم تكن هناك أي مفاوضات تجري في وقتها بين إيران وأميركا.
كما يُلاحظ أيضًا أن عملية الاغتيال يوم أمس الجمعة في البقاع تُظهر أن إسرائيل بدأت تنتقل بعملياتها العسكرية إلى عمق شمال لبنان، أي لضرب المنطقة اللوجستية لحزب الله، والتي تقع في الخطوط الخلفية لمنطقة بعلبك – الهرمل.
حزب الله، الذي يرفض تسليم سلاحه للدولة اللبنانية ودخول الجيش إلى مراكزه شمال الليطاني وتحديدًا في البقاع، وكأنه يقول للإسرائيلي: أهون عليّ أن تغتالوا عناصر حزبي، وتدمروا أنفاقي، وتهدوا الأبنية على رؤوسنا، وتقتلوا الأبرياء من حاضنتي الشعبية، على أن لا أُسلّم سلاحي للدولة اللبنانية، بعدما قضى هذا الحزب 18 عامًا بعيد انتهاء حرب تموز 2006 ونصره الإلهي إلى حرب «الإسناد» يراكم فيها الأسلحة، ويحفر الأنفاق، ويقيم المعسكرات السرية جنوب نهر الليطاني، ويغتال المعارضين له بتهم العمالة لإسرائيل، ويعطل الدستور اللبناني، وينشغل في الداخل السوري، ناهيك عن سرديات الشعارات التي كان يتحفنا بها: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، «سنخوض البحر معك»، «إن عدتم عدنا»، «لدينا 100 ألف صاروخ». ولكن بالمقابل، كانت إسرائيل في هذا الوقت، وعلى مدى 18 عامًا، مشغولة في تصحيح إخفاقاتها في حرب تموز عام 2006، إذ كانت منشغلة في تراكم أهدافها الاستراتيجية من تكنولوجيا عسكرية وأسلحة نوعية وغيرها من أسلحة الإشارة التي تتمتع بالذكاء الاصطناعي، وانشغال «الموساد» بالتأهيل والاستعداد لحرب أمنية من خلال إنشاء شبكة كبيرة من العملاء البشريين. والنتيجة كانت هزيمة حزب الله وآلته العسكرية الإيرانية التي كانت بحوزته، أمام آلة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وأمام انتشار آفة العملاء وجواسيس «الموساد» داخل جسمه.
ختامًا، ومن وجهة نظري، وأمام عدم وجود حلول في الأفق الدبلوماسية بين إيران وأميركا، قد تقع الحرب بينهما، ومن المحتمل أن تقوم أميركا أو إسرائيل باغتيال مرشد إيران الإمام علي خامنئي. وباعتقادي أن حزب الله لن يتدخل، ولن يفتح جبهة دعم لمصلحة إيران كما فعل دعمًا لحماس، لأنه لم يعد حزب الله نفسه الذي كان عليه في تشرين الأول 2023، فقد خسر كل أسلحته الثقيلة خلال النزاع الأخير. وحتى لو قال نعيم قاسم، الذي يظن أنه الناطق الرسمي باسم إيران، لبيك خامنئي، فهو على دراية تامة أن حزب الله، وخاصة أن وضع الطائفة الشيعية أصبح منهكًا من كثرة إقحامها في حروب الآخرين على أرضهم التي دمّرت الحجر والبشر وشرّدت الناس للنوم في العراء.

كتب غسان بركات: اغتيال قادة حزب الله في البقاع، هل هو مؤشر انتقال وتكثيف الضربات الإسرائيلية إلى عمق شمال الليطاني؟

غسان بركات
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب غسان بركات: اغتيال قادة حزب الله في البقاع، هل هو مؤشر انتقال وتكثيف الضربات الإسرائيلية إلى عمق شمال الليطاني؟

غسان بركات
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
اغتيال قادة حزب الله في البقاع، هل هو مؤشر انتقال وتكثيف الضربات الإسرائيلية إلى عمق شمال الليطاني؟
غسان بركات
بين أجواء الهبّة الباردة والهبّة الساخنة للحرب المنتظرة بين إيران وأميركا، وعلى إيقاع مكانك راوح لطبول الحرب، وعلى ضوء القرار الكبير المتوقف حاليًا بين الحرب أو التسوية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لا تخلو من التراشق بالتهديدات السياسية بين ترامب وخامنئي، الأول يقول سنضرب إيران ضربات محدودة قد تمتد لأسابيع، والثاني يقول نمتلك قدرات عسكرية قادرة على تحويل حاملات الطائرات الأميركية إلى حطام في قاع المحيطات، وتزامنًا مع كل هذا، وفيما يغرق لبنان بهمومه وأثقاله المعيشية، كانت إسرائيل في هذا الوقت الضائع تلعب وحدها مستفردة بالساحة اللبنانية، فاستهدفت أولًا مركزًا لحركة حماس داخل مخيم عين الحلوة في عاصمة الجنوب صيدا، وثانيًا عملية اغتيال نوعية كبيرة بعد تسوية مبنى بكامله على الأرض، مستهدفة جمعًا من عناصر وحدة الصواريخ التابعة لحزب الله، وعددهم ستة من بينهم قياديان ميدانيان كبيران في بلدة علي النهري – البقاع، ويقال أيضًا إن من بينهم ضابطًا كبيرًا في الحرس الثوري.
بتقديري وتحليلي، ليس كما يقال إن غارة البقاع يوم أمس هي نتيجة لتعثر المفاوضات بين إيران وأميركا، بل هو إنجاز عسكري إسرائيلي مبني على خلفية رصد استخباراتي بشري قام به «الموساد» عن طريق عملاء ميدانيين له من داخل حزب الله المخروق أصلًا من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. وأيضًا إن ما حصل يوم أمس الجمعة في البقاع لا يرتبط بالمفاوضات، بدليل أن عمليات الاغتيالات التي حصلت أو طالت سابقًا قياديين كبارًا في حزب الله بالضاحية الجنوبية، وبخاصة عملية الاغتيال التي استهدفت منذ شهرين القيادي الكبير في حزب الله هيثم الطبطبائي، حيث لم تكن هناك أي مفاوضات تجري في وقتها بين إيران وأميركا.
كما يُلاحظ أيضًا أن عملية الاغتيال يوم أمس الجمعة في البقاع تُظهر أن إسرائيل بدأت تنتقل بعملياتها العسكرية إلى عمق شمال لبنان، أي لضرب المنطقة اللوجستية لحزب الله، والتي تقع في الخطوط الخلفية لمنطقة بعلبك – الهرمل.
حزب الله، الذي يرفض تسليم سلاحه للدولة اللبنانية ودخول الجيش إلى مراكزه شمال الليطاني وتحديدًا في البقاع، وكأنه يقول للإسرائيلي: أهون عليّ أن تغتالوا عناصر حزبي، وتدمروا أنفاقي، وتهدوا الأبنية على رؤوسنا، وتقتلوا الأبرياء من حاضنتي الشعبية، على أن لا أُسلّم سلاحي للدولة اللبنانية، بعدما قضى هذا الحزب 18 عامًا بعيد انتهاء حرب تموز 2006 ونصره الإلهي إلى حرب «الإسناد» يراكم فيها الأسلحة، ويحفر الأنفاق، ويقيم المعسكرات السرية جنوب نهر الليطاني، ويغتال المعارضين له بتهم العمالة لإسرائيل، ويعطل الدستور اللبناني، وينشغل في الداخل السوري، ناهيك عن سرديات الشعارات التي كان يتحفنا بها: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، «سنخوض البحر معك»، «إن عدتم عدنا»، «لدينا 100 ألف صاروخ». ولكن بالمقابل، كانت إسرائيل في هذا الوقت، وعلى مدى 18 عامًا، مشغولة في تصحيح إخفاقاتها في حرب تموز عام 2006، إذ كانت منشغلة في تراكم أهدافها الاستراتيجية من تكنولوجيا عسكرية وأسلحة نوعية وغيرها من أسلحة الإشارة التي تتمتع بالذكاء الاصطناعي، وانشغال «الموساد» بالتأهيل والاستعداد لحرب أمنية من خلال إنشاء شبكة كبيرة من العملاء البشريين. والنتيجة كانت هزيمة حزب الله وآلته العسكرية الإيرانية التي كانت بحوزته، أمام آلة التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وأمام انتشار آفة العملاء وجواسيس «الموساد» داخل جسمه.
ختامًا، ومن وجهة نظري، وأمام عدم وجود حلول في الأفق الدبلوماسية بين إيران وأميركا، قد تقع الحرب بينهما، ومن المحتمل أن تقوم أميركا أو إسرائيل باغتيال مرشد إيران الإمام علي خامنئي. وباعتقادي أن حزب الله لن يتدخل، ولن يفتح جبهة دعم لمصلحة إيران كما فعل دعمًا لحماس، لأنه لم يعد حزب الله نفسه الذي كان عليه في تشرين الأول 2023، فقد خسر كل أسلحته الثقيلة خلال النزاع الأخير. وحتى لو قال نعيم قاسم، الذي يظن أنه الناطق الرسمي باسم إيران، لبيك خامنئي، فهو على دراية تامة أن حزب الله، وخاصة أن وضع الطائفة الشيعية أصبح منهكًا من كثرة إقحامها في حروب الآخرين على أرضهم التي دمّرت الحجر والبشر وشرّدت الناس للنوم في العراء.









