عامان على اغتيال نصرالله: ماذا بقي من الجنوب، وماذا بقي من الحزب سوى الشعارات والسرديات وأوهام الانتصارات؟!
غسان بركات
28 أيلول 2026
في ضوء الحصار الأميركي البحري والجوي على نظام الملالي في إيران، وتقويض قدرته على الاتصال بالعالم، ومن أرفع المحافل الدولية، الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن على منبرها، وانطلاقًا من مبدأ أنه لا سلطة تعلو فوق سلطة الدولة والشرعية اللبنانية، وأن الجميع تحت القانون، ولا سلاح خارج سلاح الشرعية اللبنانية، وأن القرارات السيادية، مثل قرارَي الحرب والسلم، محصورة فقط بالدولة اللبنانية؛ ألقى رئيس وزراء لبنان، نواف سلام، أمام ممثلي الدول، كلمة لبنان السيادية، مستعيدًا القرار الوطني، وموجّهًا رسالتين: الأولى إلى الداخل، وهي موجّهة إلى ميليشيا محور الممانعة: لا سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج قواتها المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. والثانية إلى الخارج، وباعتقادي هي موجّهة إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بعد تدخله الدبلوماسي السافر والوقح في السيادة اللبنانية خلال إلقاء كلمته أمام ممثلي الدول، وذلك عبر لاءات عدة: «لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية»، وأن مستقبل لبنان «لا يُقرَّر بالنيابة عنه، ولا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمنًا لتسويات تُعقد في غيابه».
وبين نار الجنوب، في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر من غارات جوية وقصف مدفعي وتفجيرات وإحراق للممتلكات، والغلاء الذي أثقل كاهل اللبنانيين على إيقاع أغنية: «اسمع يا رضا، كل شي عم يغلى ويزيد، امبارح كنّا عالحديدة وهلّق صرنا عالحديد…»؛ يتفاقم الوضع الاقتصادي بشكل جنوني، ليثقل كاهل الأسر والمواطن اللبناني، مع تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بوتيرة عالية جدًا، على المحروقات وسائر السلع من مواد غذائية وخدمات، ما بدأ يتسبب بغضب متصاعد في الوسط الشعبي وغليان في الشارع، ينذران بتحركات واضطرابات شعبية تقودها هيئات نقابية. ومن الممكن أيضًا أن تستغل تلك التحركات بعض العصابات الحزبية التي تصطاد في الماء العكر.
في هذه الأجواء، كان ضريح الراحل حسن نصرالله والأحياء القريبة منه في الضاحية الجنوبية تعجّ باليافطات والصور، إحياءً للذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، تحت شعار «إنّا على العهد».
في الذكرى الثانية لاغتيال حسن نصرالله، وتحت شعار «إنّا على العهد»، وبعد غيابه عن الدنيا وانتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء ورحيل عهده إلى مثواه الأخير، شكّل غيابه فراغًا قياديًا وسياسيًا ورمزيًا كبيرًا داخل حزبه وبيئته، وامتدت مفاعيل عهده محليًا وإقليميًا لأكثر من ثلاثة عقود، تراوحت بين محطات عدة من المناكفات السياسية، وشلّ القوانين والدساتير، وإقامة الدويلات والمربعات الأمنية على حساب السيادة وشرعية الدولة، وخوض الحروب الإقليمية والمحلية العبثية التي لم تجلب سوى وشاح الحزن الأسود والقهر والهزائم المتتالية، الذي لفّ الطائفة الشيعية تحت شعارات وسرديات من الوعود: «كما كنت أعدكم بالنصر دائمًا، أعدكم بالنصر مجددًا».
في إحياء الذكرى الثانية للراحلين نصرالله وصفي الدين، غاب قادة الأجهزة العسكرية والأمنية، كما غاب أي حضور رسمي، وذلك بناءً على أوامر رئاسية من الجمهورية اللبنانية. فيما حضرت كلمة الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، عبر الشاشة الصغيرة، بخطاب مسجّل بالصوت والصورة، من خارج هذا الزمن، وبكلام سياسي تصعيدي لا يخلو من النفاق السياسي وتكرار تعابير وسرديات التخوين والشعارات المملّة: «السلطة في لبنان تساعد المشروع الإسرائيلي الأميركي بدلًا من أن تواجهه».
وفي أجواء معادلة «جيش وشعب ومقاومة»، أراد قاسم أيضًا إعطاء شهادة للمحور الذي ينتمي إليه هو وحزبه المأجور بالولاء للأيديولوجية «الثيوقراطية» الإيرانية، عبر معادلة: «سنستمر على نهج المقاومة، وستبقى فلسطين هي البوصلة، وتحرير أرضنا هو الأولوية».
عامان على اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله؛ ماذا بقي من حزبه؟ وماذا بقي من عهده على «طريق القدس» و«إسناد غزة»، سوى سرديات الأفكار الشمولية والطروحات والأحلام والشعارات التي ثبت أنها «أوهن من بيت العنكبوت»؟
في إحياء ذكرى رحيل نصرالله، ماذا تغيّر داخل هذا الحزب بعد غياب أمينه العام الراحل، نصرالله، واستلام الشيخ نعيم قاسم إرث الأمانة العامة بهيكلية منهارة على كومة من أوهام الشعارات النارية وقصص البطولات الخيالية: «قد يأتي اليوم الذي نجتاحكم فيه بالفرقة الموسيقية»؟
عامان على رحيل نصرالله وصفي الدين عن الدنيا، بعدما خلفهما الشيخ نعيم قاسم أمينًا عامًا للحزب، ليتلقى الأخير الهزائم الواحدة تلو الأخرى. واحتلت إسرائيل، على أنقاض سردية «إن عدتم عدنا»، مساحة خمسة كيلومترات مربعة من الجنوب، ليخرج قاسم بإشارة النصر «V»: «بس نحنا منتصرين».
عامان على اغتيال نصرالله، وما زال الأمين العام لحزب الله الإيراني، الشيخ نعيم قاسم، يتحفنا بأوهام الانتصارات في خطاباته، ليؤكد للحضور الخجول قرب الضريح، والمتسمّرين أمام الشاشة الكبيرة، ثقته بسردياته الخرافية القائمة على مبدأ النصر والتحرير، قائلًا: «إن قيادة الحزب هي التي ترسم خطوات المواجهة وتدير تفاصيلها بما لا يمنح إسرائيل مكاسب».
وذلك لإفهام هؤلاء، أصحاب العقول المغيّبة والمشبّعة بالأيديولوجية الشمولية، أن حزبه الإيراني منتصر وفق استراتيجية: «لبنان بلا مقاوم يزول»، و«لاقونا لاقونا وشوفوا كيف منربح». وليبني أيضًا في خطابه حالة من الإنكار وهذيان الثرثرة، عبر رفع سقف المواجهة السياسية ضد الحكومة والعهد: «طويلة على رقبتكم».
عامان على الهزيمة واغتيال نصرالله وصفي الدين، وتولّي الشيخ نعيم قاسم قيادة الأمانة العامة للحزب الإيراني: «لم يستطيعوا إسقاطنا». وما زال يعيش، في ذكراهما، حالة من العمى والانفصال عن الواقع الحقيقي، الميداني والسياسي، ليقول بعنجهية للحضور الخجول من المناصرين وما تبقّى من قادة الحزب وأبطاله، أصحاب «نياشين» الانتصارات في الخيام وبنت جبيل وقلعة الشقيف وعلي الطاهر، عن سردية انتصار كانت مخبّأة داخل أنفاق علي الطاهر: «المقاومون صمدوا في علي الطاهر ثلاثة أشهر، لكن المحافظة على المكان ليست الأساس».
عامان على اغتيال نصرالله… قاسم وحزبه الإيراني، المنهاران في حربَي «الإسناد»، يعتبران نفسيهما منتصرين، ما دام سلاحهما غير الشرعي والخارج عن القانون «زينة بإيدهم».
عامان على رحيل نصرالله كانا كفيلين بقلب المعادلة الإقليمية والمحلية: الأولى على الساحة السورية، بعدما أُجبر حزب الله الإيراني والحرس الثوري على الخروج هاربَين من هناك، مهزومَين وبطريقة غير مشرّفة، بعدما تكبّد الحزب الإيراني وحده ثلاثة آلاف قتيل.
والثانية محليًا؛ إذ كانت أولى هزائمها عملية «البيجر»، والهزيمة الثانية اغتيال حسن نصرالله ومن ثم خلفه هاشم صفي الدين، وتلتهما تصفية إسرائيل لقيادات الصفين الأول والثاني في الحزب. أما الثالثة فكانت حرب «إسناد غزة»، والرابعة تعيين الشيخ نعيم قاسم أمينًا عامًا لحزب الله الإيراني، والخامسة «إسناد إيران» ثأرًا لاغتيال خامنئي، والهزيمة السادسة سقوط بلدات الخيام وبنت جبيل وقلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر بيد إسرائيل.
فالسؤال هنا: ماذا بقي من حزب أرهقته حروب الميدان العبثية وأيديولوجية الطاعة والولاء والخنوع لملالي «الثيوقراطية» في طهران، تحت شعار «لبّيك خامنئي»، سوى تدمير الجنوب الممنهج والتغيير الديموغرافي؟
ختامًا، تسقط الشعارات والسرديات، ويسقط معها محور المقاومة والممانعة في حزب الله الإيراني، الذي يرى، وفق حساباته، أن عدوه الحقيقي ليس إسرائيل، كما يدّعي كذبًا ونفاقًا، بل إن عدوه الحقيقي هو أهل الجنوب، بعدما استدرج الدمار والقتل والنزوح والاحتلال الإسرائيلي إلى أرضهم وأرزاقهم، وتسبّب بتهجيرهم من قراهم وبلداتهم. وذلك كله من أجل خدمة استراتيجية المصالح الإيرانية العليا.
كما يعتبر هذا الحزب الإيراني الشرعية والدولة اللبنانية عدوّتين لسلاحه غير الشرعي، ويتهم حكومة سلام والعهد بالعمالة لأميركا وإسرائيل، مع العلم أن لديه تمثيلًا بأربعة وزراء داخل الحكومة نفسها التي ينعتها بالعمالة…












