لماذا يغلّب ترامب خيار المفاوضات على الحرب ضد إيران؟
يعيش العالم منذ أسابيع حالة ترقّب مشحونة بالقلق، في ظل احتمال اندلاع حرب كبرى بين الولايات المتحدة وإيران، لكنّ التصعيد لم يتجاوز حتى الآن حرب التصريحات واستعراض القوة.
تقول مصادر روسية متابعة عن قرب لهذه القضية إن فهم أسباب عدم تحوّل هذا الزخم إلى مواجهة فعلية يتطلب النظر إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي: نوعية الحشود العسكرية الأميركية، والمطالب الأميركية من إيران، والعامل الجيوسياسي الذي جعل الصراع يتخطّى حدود الشرق الأوسط.
وتشير طبيعة الانتشار العسكري الأميركي إلى أن إدارة الرئيس ترامب أطلقت، في شهر كانون الثاني الماضي، عملية انتشار عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط، حيث تم نشر بطاريات صواريخ باتريوت إضافية، وأنظمة دفاع صاروخي، وأنظمة إنذار مبكر، لتأمين القواعد الأميركية والقواعد الحليفة في المنطقة.
وحسب المصدر الروسي، فإن طبيعة هذا الانتشار تُظهر أن الولايات المتحدة تسعى أساساً إلى تعزيز دفاعاتها والاستعداد لصد أي رد فعل محتمل، لا إلى توجيه الضربة الأولى.
وفي ظل هذا الحشد العسكري، قدّمت إدارة ترامب للنظام الإيراني أربعة مطالب رئيسية، هي:
1- وقف عمليات إطلاق النار والإعدامات.
2- عدم قمع المتظاهرين.
3- التخلّي عن البرنامج النووي.
4- وقف تطوير الصواريخ بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، هيّأ ترامب الظروف الملائمة لطرح المطالب الأميركية، ثم فُسح المجال أمام المفاوضات بهدف انتزاع تنازلات من النظام الإيراني. غير أن العديد من الخبراء والمراقبين يشيرون إلى أن تخلي إيران عن برنامجها النووي ووقف تطوير الصواريخ بعيدة المدى يعني عملياً استسلام النظام، وهو أمر يواجه أسئلة وعقبات داخلية معقّدة.
في المقابل، تواجه واشنطن تحدياً مهماً يتمثل في رفض دول المنطقة المشاركة في الحرب، إذ أعلنت دول الخليج أنها غير مستعدة لفتح مجالها الجوي لتنفيذ أي ضربات تستهدف إيران، معتبرة أن المشاركة في الحرب تمثّل خطراً وجودياً، في ضوء التحذيرات الإيرانية من استهداف أي طرف يشارك في العدوان، ما يعني أن البنية التحتية النفطية الخليجية والموانئ وسواها من المنشآت ستكون في مرمى النيران.
وبناءً عليه، تجد الولايات المتحدة نفسها، بحسب المصدر الروسي، في وضع شديد الخطورة سياسياً ولوجستياً، حتى وإن كانت قادرة عملياً على شن الحرب.
كما أن ما يُثار عن توجّه لإجراء مناورات مشتركة بين روسيا والصين وإيران في شمال المحيط الهندي، بالتوازي مع أخبار عن تزويد الصين لإيران بأسلحة نوعية، يبعث برسالة إلى الولايات المتحدة ودول الخليج والجهات الفاعلة الإقليمية، وكذلك إلى الأسواق المالية وأسواق الطاقة، مفادها أن أي ضربة ضد إيران لن تؤثر في الاستقرار الإقليمي فحسب، بل في التوازن العالمي أيضاً.
ويرى المصدر الروسي أن إيران تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسي محورية لكل من روسيا والصين، وأن خسارتها تعني خسائر هائلة اقتصادياً واستراتيجياً. فبالنسبة لموسكو، يُعدّ الممر الشمالي–الجنوبي منفذاً إلى الخليج العربي والهند وآسيا، وبديلًا عن ممرات بحر البلطيق والبحر الأسود الخاضعة لسيطرة حلف الناتو. أما بالنسبة للصين، فتُعدّ إيران حلقة وصل رئيسية في مبادرة «الحزام والطريق»، وزعزعة استقرارها تعني قطع المسار البري نحو أوروبا وتعزيز سيطرة الولايات المتحدة على الممرات البحرية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل ترامب وإدارته يأخذون في الاعتبار أن توجيه ضربة لإيران لم يعد خطوة إقليمية محدودة العواقب، بل أصبح عملية تهدد مباشرة توازن القوى على الصعيد العالمي، من خلال تداعياتها على مصالح روسيا والصين.
لذلك يرجّح المراقبون أنه، في ظل هذه المعطيات ورفض دول الخليج المشاركة في الحرب، لم يعد أمام واشنطن مجال واسع للمناورة أو اللجوء إلى استخدام القوة بمفردها، بل البحث عن سبيل لتجنّبها من دون إشعال أزمة عالمية خارجة عن السيطرة.
يوسف مرتضى – كاتب سياسي

كتب يوسف مرتضى: لماذا يغلّب ترامب خيار المفاوضات على الحرب ضد إيران؟

يوسف مرتضى
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب يوسف مرتضى: لماذا يغلّب ترامب خيار المفاوضات على الحرب ضد إيران؟

يوسف مرتضى
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
لماذا يغلّب ترامب خيار المفاوضات على الحرب ضد إيران؟
يعيش العالم منذ أسابيع حالة ترقّب مشحونة بالقلق، في ظل احتمال اندلاع حرب كبرى بين الولايات المتحدة وإيران، لكنّ التصعيد لم يتجاوز حتى الآن حرب التصريحات واستعراض القوة.
تقول مصادر روسية متابعة عن قرب لهذه القضية إن فهم أسباب عدم تحوّل هذا الزخم إلى مواجهة فعلية يتطلب النظر إلى ثلاثة عناصر أساسية، هي: نوعية الحشود العسكرية الأميركية، والمطالب الأميركية من إيران، والعامل الجيوسياسي الذي جعل الصراع يتخطّى حدود الشرق الأوسط.
وتشير طبيعة الانتشار العسكري الأميركي إلى أن إدارة الرئيس ترامب أطلقت، في شهر كانون الثاني الماضي، عملية انتشار عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط، حيث تم نشر بطاريات صواريخ باتريوت إضافية، وأنظمة دفاع صاروخي، وأنظمة إنذار مبكر، لتأمين القواعد الأميركية والقواعد الحليفة في المنطقة.
وحسب المصدر الروسي، فإن طبيعة هذا الانتشار تُظهر أن الولايات المتحدة تسعى أساساً إلى تعزيز دفاعاتها والاستعداد لصد أي رد فعل محتمل، لا إلى توجيه الضربة الأولى.
وفي ظل هذا الحشد العسكري، قدّمت إدارة ترامب للنظام الإيراني أربعة مطالب رئيسية، هي:
1- وقف عمليات إطلاق النار والإعدامات.
2- عدم قمع المتظاهرين.
3- التخلّي عن البرنامج النووي.
4- وقف تطوير الصواريخ بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، هيّأ ترامب الظروف الملائمة لطرح المطالب الأميركية، ثم فُسح المجال أمام المفاوضات بهدف انتزاع تنازلات من النظام الإيراني. غير أن العديد من الخبراء والمراقبين يشيرون إلى أن تخلي إيران عن برنامجها النووي ووقف تطوير الصواريخ بعيدة المدى يعني عملياً استسلام النظام، وهو أمر يواجه أسئلة وعقبات داخلية معقّدة.
في المقابل، تواجه واشنطن تحدياً مهماً يتمثل في رفض دول المنطقة المشاركة في الحرب، إذ أعلنت دول الخليج أنها غير مستعدة لفتح مجالها الجوي لتنفيذ أي ضربات تستهدف إيران، معتبرة أن المشاركة في الحرب تمثّل خطراً وجودياً، في ضوء التحذيرات الإيرانية من استهداف أي طرف يشارك في العدوان، ما يعني أن البنية التحتية النفطية الخليجية والموانئ وسواها من المنشآت ستكون في مرمى النيران.
وبناءً عليه، تجد الولايات المتحدة نفسها، بحسب المصدر الروسي، في وضع شديد الخطورة سياسياً ولوجستياً، حتى وإن كانت قادرة عملياً على شن الحرب.
كما أن ما يُثار عن توجّه لإجراء مناورات مشتركة بين روسيا والصين وإيران في شمال المحيط الهندي، بالتوازي مع أخبار عن تزويد الصين لإيران بأسلحة نوعية، يبعث برسالة إلى الولايات المتحدة ودول الخليج والجهات الفاعلة الإقليمية، وكذلك إلى الأسواق المالية وأسواق الطاقة، مفادها أن أي ضربة ضد إيران لن تؤثر في الاستقرار الإقليمي فحسب، بل في التوازن العالمي أيضاً.
ويرى المصدر الروسي أن إيران تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسي محورية لكل من روسيا والصين، وأن خسارتها تعني خسائر هائلة اقتصادياً واستراتيجياً. فبالنسبة لموسكو، يُعدّ الممر الشمالي–الجنوبي منفذاً إلى الخليج العربي والهند وآسيا، وبديلًا عن ممرات بحر البلطيق والبحر الأسود الخاضعة لسيطرة حلف الناتو. أما بالنسبة للصين، فتُعدّ إيران حلقة وصل رئيسية في مبادرة «الحزام والطريق»، وزعزعة استقرارها تعني قطع المسار البري نحو أوروبا وتعزيز سيطرة الولايات المتحدة على الممرات البحرية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل ترامب وإدارته يأخذون في الاعتبار أن توجيه ضربة لإيران لم يعد خطوة إقليمية محدودة العواقب، بل أصبح عملية تهدد مباشرة توازن القوى على الصعيد العالمي، من خلال تداعياتها على مصالح روسيا والصين.
لذلك يرجّح المراقبون أنه، في ظل هذه المعطيات ورفض دول الخليج المشاركة في الحرب، لم يعد أمام واشنطن مجال واسع للمناورة أو اللجوء إلى استخدام القوة بمفردها، بل البحث عن سبيل لتجنّبها من دون إشعال أزمة عالمية خارجة عن السيطرة.
يوسف مرتضى – كاتب سياسي








