لم يعد الانقسام في لبنان يدور حول حكومة أو قانون انتخاب أو حتى حول أولويات اقتصادية، بل بات يتمحور حول سؤال أكثر عمقاً: أي نموذج دولة يريد اللبنانيون؟ دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، أم دولة تتقاسم سلطتها مع محاور إقليمية ترى في لبنان ساحة لتصفية الحسابات وتحقيق النفوذ؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل أصبح ينعكس على كل تفصيل في الحياة اللبنانية، من السياسة والاقتصاد إلى الأمن والعلاقات الخارجية. فكلما اقترب لبنان من استعادة مؤسساته، عاد الصراع بين منطق الدولة ومنطق المحاور ليعيده إلى نقطة الصفر.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا يمكن أن تستقيم عندما تتعدد فيها مراكز القرار. فوجود سلطة سياسية تقابلها سلطة عسكرية أو قرار استراتيجي خارج مؤسسات الدولة يجعل أي حكومة عاجزة عن تنفيذ برنامجها، ويحول الدستور إلى نص قابل للتفسير وفق موازين القوى لا وفق أحكام القانون.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن لبنان يعيش في منطقة تشهد تحولات تاريخية. فالتسويات الإقليمية تتسارع، والتحالفات تتبدل، والدول الكبرى تعيد رسم أولوياتها. وفي ظل هذا المشهد، لم يعد مقبولاً أن يبقى لبنان رهينة صراعات لا يملك قرارها ولا يجني من نتائجها سوى المزيد من الأزمات.
فالاقتصاد اللبناني لا يحتاج فقط إلى إصلاحات مالية، بل يحتاج قبل ذلك إلى استقرار سياسي وسيادي. المستثمر لا يبحث عن نسب الضرائب فقط، بل عن دولة قادرة على حماية الاستثمارات وتطبيق القانون وضمان الأمن. كما أن المجتمع الدولي ربط بوضوح أي دعم اقتصادي بقيام مؤسسات فاعلة ودولة تمارس سلطتها على كامل أراضيها.
في المقابل، يطرح أنصار منطق المحاور رؤية مختلفة، تقوم على اعتبار أن لبنان لا يستطيع الانفصال عن الصراعات الإقليمية، وأن قوة بعض القوى اللبنانية تشكل عنصر حماية في مواجهة الأخطار الخارجية. لكن التجربة الممتدة لعقود أظهرت أن انخراط لبنان في تلك الصراعات كلّفه أثماناً باهظة، من الحروب والعقوبات والعزلة إلى الانهيار الاقتصادي وتراجع ثقة العالم به.
اليوم يقف لبنان أمام فرصة قد لا تتكرر. فهناك حراك عربي لإعادة احتضانه، واهتمام دولي باستقراره، وإدراك داخلي متزايد بأن استمرار الأزمة لم يعد يحتمل. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز ما لم يُحسم الخيار الأساسي: هل يكون القرار اللبناني نابعاً من مؤسسات الدولة، أم يبقى موزعاً بين الداخل والخارج؟
إن بناء الدولة لا يعني إقصاء أي مكوّن لبناني، بل يعني أن يخضع الجميع للقواعد نفسها، وأن تصبح المواطنة هي المرجعية الوحيدة للحقوق والواجبات. فالدولة القوية لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة تحت سقف القانون، ولا تُحمى بتعدد السلطات، بل بوحدة القرار.
قد يكون لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية تشبه محطات تاريخية سابقة، لكن الفارق أن هامش المناورة بات أضيق بكثير. فالانهيار الاقتصادي، وهجرة الشباب، وتراجع الخدمات، واستنزاف المؤسسات، كلها مؤشرات على أن الوقت لم يعد يسمح بتأجيل الحسم.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح اللبنانيون في الانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة، فيستعيد لبنان دوره الطبيعي كدولة عربية ذات سيادة ومؤسسات؟ أم يستمر في الدوران داخل دائرة التجاذبات الإقليمية، حيث تبقى مصالح الآخرين أقوى من مصلحته الوطنية؟
الجواب لن تحدده الشعارات، بل القرارات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة، لأنها وحدها سترسم وجه لبنان الذي سيعرفه الجيل القادم












