اختبار السيادة.. الدولة اللبنانية في مواجهة قرارٍ موازٍ
أماني شعبان
في لحظةٍ تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع هشاشة الداخل، لا يبدو التفاوض خياراً ثانوياً أو ترفاً سياسياً، بل محاولة أخيرة لإعادة تثبيت موقع الدولة في معادلة فقدت توازنها. الهدنة التي مُدِّدت من عشرة أيام إلى ثلاثة أسابيع، بالتوازي مع مفاوضات مباشرة في البيت الأبيض، لا تعني أن الحرب انتهت، بل أن شكل إدارتها انتقل من المواجهة المفتوحة إلى إدارة سياسية لصراعٍ معلّق.
بهذا السياق، تتحرّك الدولة اللبنانية ضمن هامش ضيّق، تحاول من خلاله استعادة موقعها كمرجعية قرار، لا كطرفٍ يتلقى نتائج صراع يُدار جزئياً خارج مؤسساتها. غير أنّ هذا المسار يصطدم بواقع داخلي معقّد، يتمثّل في تعدّد مراكز القرار على الأرض، ما يجعل السيادة السياسية غير مكتملة الأداة حين تُترجم إلى تفاوض خارجي.
هذا الانقسام يظهر بوضوح في لحظات التصعيد السابقة على الحدود الجنوبية، حين كانت الدولة تتحرّك ديبلوماسياً لاحتواء التوتر، فيما كان الإيقاع الميداني يسير وفق حسابات لا تمرّ حصراً عبر القناة الرسمية. هذا التوازي بين مسار سياسي ومسار عسكري منفصل يجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز، لأنه لا يستند إلى مركز قرار واحد يُلزم الجميع.
من قلب هذا الواقع، يبرز دور حزب الله كقوة عسكرية وسياسية خارج منطق الدولة، تفرض إيقاعها على قرار الحرب والسلم، وتضع التفاوض الرسمي أمام سقف غير مكتمل السيادة. والمفارقة أن ما يُقدَّم كـ“انتصارات” يبقى محصوراً في سردية داخلية ضيقة، فيما الكلفة الفعلية تُدفع على مستوى الدولة والمجتمع، من دون أي أفق واضح لحلٍّ شامل.
هذه المقاربة، الممتدة منذ سنوات، لم تُنتج استقراراً دائماً، بل أبقت البلاد في حالة استنزاف متكرر، حيث يُعاد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة. وفي كل مرة يُطرح فيها خيار بديل أو مسار تفاوضي مختلف، يُقابل الأمر بانقسام حادّ يعيد تدوير المواجهة بدل تجاوزها.
لكن التجارب تُظهر أن غياب الدولة عن مركز القرار لا يُنهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بصيغ أكثر كلفة وتعقيداً، حيث تتحوّل كل تسوية موقتة إلى هدنة بين جولات.
ما يجري اليوم ليس انتقالاً إلى سلام مستقر، ولا عودة إلى مواجهة شاملة، انما لحظة إعادة تعريف دقيقة من يملك القرار في لبنان، وكيف يُدار هذا القرار في ظل واقع حكمت فيه "الدويلة" الدولة.
وفي بلدٍ طالما عاش على توازنات هشّة، يبقى التحدي الأعمق ليس في وقف الحرب بل في استعادة معنى الدولة نفسها، كمرجعية وحيدة للقرار، لا كأحد أطرافه.

كتبت اماني شعبان:اختبار السيادة.. الدولة اللبنانية في مواجهة قرارٍ موازٍ
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتبت اماني شعبان:اختبار السيادة.. الدولة اللبنانية في مواجهة قرارٍ موازٍ
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
اختبار السيادة.. الدولة اللبنانية في مواجهة قرارٍ موازٍ
أماني شعبان
في لحظةٍ تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع هشاشة الداخل، لا يبدو التفاوض خياراً ثانوياً أو ترفاً سياسياً، بل محاولة أخيرة لإعادة تثبيت موقع الدولة في معادلة فقدت توازنها. الهدنة التي مُدِّدت من عشرة أيام إلى ثلاثة أسابيع، بالتوازي مع مفاوضات مباشرة في البيت الأبيض، لا تعني أن الحرب انتهت، بل أن شكل إدارتها انتقل من المواجهة المفتوحة إلى إدارة سياسية لصراعٍ معلّق.
بهذا السياق، تتحرّك الدولة اللبنانية ضمن هامش ضيّق، تحاول من خلاله استعادة موقعها كمرجعية قرار، لا كطرفٍ يتلقى نتائج صراع يُدار جزئياً خارج مؤسساتها. غير أنّ هذا المسار يصطدم بواقع داخلي معقّد، يتمثّل في تعدّد مراكز القرار على الأرض، ما يجعل السيادة السياسية غير مكتملة الأداة حين تُترجم إلى تفاوض خارجي.
هذا الانقسام يظهر بوضوح في لحظات التصعيد السابقة على الحدود الجنوبية، حين كانت الدولة تتحرّك ديبلوماسياً لاحتواء التوتر، فيما كان الإيقاع الميداني يسير وفق حسابات لا تمرّ حصراً عبر القناة الرسمية. هذا التوازي بين مسار سياسي ومسار عسكري منفصل يجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز، لأنه لا يستند إلى مركز قرار واحد يُلزم الجميع.
من قلب هذا الواقع، يبرز دور حزب الله كقوة عسكرية وسياسية خارج منطق الدولة، تفرض إيقاعها على قرار الحرب والسلم، وتضع التفاوض الرسمي أمام سقف غير مكتمل السيادة. والمفارقة أن ما يُقدَّم كـ“انتصارات” يبقى محصوراً في سردية داخلية ضيقة، فيما الكلفة الفعلية تُدفع على مستوى الدولة والمجتمع، من دون أي أفق واضح لحلٍّ شامل.
هذه المقاربة، الممتدة منذ سنوات، لم تُنتج استقراراً دائماً، بل أبقت البلاد في حالة استنزاف متكرر، حيث يُعاد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة. وفي كل مرة يُطرح فيها خيار بديل أو مسار تفاوضي مختلف، يُقابل الأمر بانقسام حادّ يعيد تدوير المواجهة بدل تجاوزها.
لكن التجارب تُظهر أن غياب الدولة عن مركز القرار لا يُنهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بصيغ أكثر كلفة وتعقيداً، حيث تتحوّل كل تسوية موقتة إلى هدنة بين جولات.
ما يجري اليوم ليس انتقالاً إلى سلام مستقر، ولا عودة إلى مواجهة شاملة، انما لحظة إعادة تعريف دقيقة من يملك القرار في لبنان، وكيف يُدار هذا القرار في ظل واقع حكمت فيه "الدويلة" الدولة.
وفي بلدٍ طالما عاش على توازنات هشّة، يبقى التحدي الأعمق ليس في وقف الحرب بل في استعادة معنى الدولة نفسها، كمرجعية وحيدة للقرار، لا كأحد أطرافه.











