اعترف الصحافي رضوان مرتضى بأنه أجرى حوارات مع مسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية وصحافيين إسرائيليين، لكنه سارع إلى تقديم “صكّ البراءة”: التواصل تمّ عبر وسيط.
وكأنّ الوسيط يغسل هوية المتحدّث، ويحوّل الإسرائيلي إلى شخص آخر، ويجعل الحوار غير المباشر أقلّ حوارًا!
المشكلة هنا ليست في أن يتواصل صحافي مع إسرائيلي للحصول على معلومة أو استكمال تحقيق. هذا نقاش مهني وقانوني تُحدَّد مشروعيته وفق طبيعة التواصل ومضمونه وغايته. المشكلة الحقيقية تكمن في الازدواجية الفاضحة لدى المنظومة التي ينتمي إليها مرتضى سياسيًا وإعلاميًا.
فعندما يتحدّث صحافي أو سياسي لبناني عن إسرائيل، أو ينقل موقفًا إسرائيليًا، أو يحلّل ما يجري داخلها، تنهال عليه اتهامات العمالة والتطبيع وخدمة العدو. حتى الاعتراض على حرب عبثية أو انتقاد سلاح حزب الله يتحوّل، في قاموسهم، إلى تنفيذٍ للأجندة الإسرائيلية.
أما عندما يجلس صحافيهم المحسوب على خطّ الحزب، والذي أمضى سنوات في التنقيب في ملفات العملاء والتشهير بالخصوم، ليحاور مسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية وصحافيين إسرائيليين، يصبح الأمر فجأةً “عملًا صحافيًا”، ويكفي وجود وسيط كي تسقط كل المحرّمات!
فهل الوسيط هو الفارق بين الصحافة والعمالة؟ وهل التواصل مع الإسرائيلي يصبح مشروعًا إذا مرّ عبر غرفة خلفية، ومحرّمًا إذا جرى أمام الناس؟ أم أنّ الحلال والحرام عند هذه المنظومة لا تحدّدهما الأفعال، بل هوية الفاعل؟
الأخطر أن بعض هذه الحوارات لا ينتج تحقيقات تكشف إسرائيل، بل مواد تعيد تدوير روايتها وتقدّمها إلى الجمهور تحت عنوان “السبق الصحافي”. وهنا تصبح المفارقة أكثر وقاحة: يتّهمون خصومهم بخدمة السردية الإسرائيلية، فيما يفتحون بأنفسهم أبواب التواصل مع مصادرها، ثم يطلبون حصانة سياسية باسم “المهنة”.
وما يقدّمه مرتضى تحت عنوان “الصحافة الاستقصائية” لا يبتعد، في منطقه وأدواته، عن العمل الإعلامي الإسرائيلي الذي يزعم مواجهته: هناك من يصنع السردية داخل إسرائيل، وهنا من يعيد تدويرها وتسويقها في لبنان، وإن اختلفت اللغة والشعارات. أحدهما يتحدّث باسم إسرائيل، والآخر يرفع راية “المقاومة”، لكنهما يلتقيان في صناعة الاتهامات، وشيطنة الخصوم، وتوظيف الصحافة لخدمة مشروع سياسي وأمني. وجهان لعملة واحدة في الأسلوب، يختلفان أمام الكاميرا ويلتقيان خلف الوسيط.
الحقيقة بسيطة: إذا كان التواصل الصحافي مع الإسرائيليين عمالة، فليُطبَّق هذا المعيار على الجميع، وفي مقدّمهم صحافيو المحور. وإذا كان عملًا مهنيًا مشروعًا ضمن ضوابط واضحة، فلتتوقف حفلات التخوين بحق كل من يختلف مع حزب الله أو يفضح نتائج سياساته.
لا يمكن أن تكون الصحافة مباحة لكم وخيانةً لغيركم. ولا يمكن أن يتحوّل التواصل مع إسرائيل إلى بطولة حين يقوم به صحافيكم، وإلى عمالة حين يفعله خصومكم.
إنها ليست مقاومة للتطبيع، بل احتكار له. وليست معايير وطنية، بل محكمة حزبية تُصدر الأحكام على الخصوم، ثم تمنح أهلها البراءة بالتقسيط… وعبر وسيط.












