عينان مغطّاتان في الجنوب الحزين…حين تتحول الإنسانية إلى تهمة سياسية
في الجنوب اللبناني، تتكرر المشاهد ذاتها بأشكال مختلفة، لكن الصورة الأخيرة تختصر الكثير: شاب جنوبي يغطّي عينيه قبل أن يلقى مصرعه. ليست مجرد لقطة ميدانية، بل مشهد يفتح أسئلة أعمق حول معنى الحرب، وحدود القانون، وموقع الإنسان داخل صراعات تتجاوز قدرته على التحكم بها.
وفقاً للقانون الدولي الإنساني، لا يثير التوصيف القانوني لهذا النوع من الوقائع أي التباس. فاستهداف شخص جريح أو عاجز عن القتال يُعد انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف، ويرتقي إلى مستوى جريمة حرب موصوفة. ذلك أن الحماية القانونية للإنسان لا تُستمد من انتمائه السياسي أو العسكري، بل من كونه خارج دائرة القتال.
لكن في السياق اللبناني، لا تبقى هذه الوقائع ضمن إطارها القانوني الصرف، إذ سرعان ما تتحول إلى مادة انقسام سياسي حاد، يُعاد فيها تعريف الضحية وفق موقعه السياسي، ويُختبر فيها التضامن الإنساني وفق معايير الاصطفاف.
ولا تكمن خطورة المشهد في الجريمة نفسها فقط، بل في ما يرافقها من عمق العبثية التي يعيشها البلد اليوم. فبدلاً من أن يكون الحزن على مقتل جريح أعزل موقفاً إنسانياً بديهياً، يتحول هذا الحزن إلى موضع مساءلة، وكأن التعبير عن التضامن يحتاج إلى إذن سياسي أو إلى تبرير مسبق.
الأكثر إيلاماً أن البيئة التي ينتمي إليها هذا الشاب هي نفسها التي تدفع الثمن الأكبر. فهي البيئة التي تخسر أبناءها تباعاً، والقرى التي تتحمل كلفة المواجهة، والعائلات التي تعيش القلق والخسارة مع كل جولة تصعيد. هذه البيئة نفسها هي التي ينتمي إليها الضحية، وهي التي تعاني اليوم من استمرار هذه المعادلة المفتوحة على الدم والخسارة.
لكن المفارقة أن من يعبّر عن حزنه على هذا الشاب، رغم معارضته السياسية الواضحة لحزب الله، يجد نفسه أمام اتهامات جاهزة: كيف تتضامنون وأنتم ضد الحزب؟ كيف تحزنون وأنتم تعارضون مشروعه؟ وكأن الحزن أصبح موقفاً سياسياً، أو وكأن الإنسانية باتت مشروطة بالانتماء الحزبي.
في الواقع، لا تناقض في هذا الموقف. فمن الطبيعي أن يكون الإنسان ضد مشروع حزب الله، وضد منطق الميليشيا، وضد السلاح خارج إطار الدولة، وفي الوقت نفسه أن يحزن على شاب لبناني قُتل جريحاً. فهذا ليس تناقضاً، بل موقف وطني وإنساني في آن واحد. فالموقف السياسي لا يلغي إنسانية الضحية، كما أن التعاطف مع الضحية لا يعني تأييد مشروع الحزب أو تبنّي خياراته.
كما أن هذا الموقف لا يلغي أيضاً البعد الفكري والوجداني الرافض للاعتداءات الإسرائيلية أو السياسات الاستيطانية أو استهداف اللبنانيين. فالإنسان يمكن أن يكون في الوقت نفسه ضد إسرائيل وضد حزب الله، مع الدولة وضد الميليشيا، مع الإنسان وضد الحرب. وهي ليست معادلة معقدة، بل بديهية في أي دولة طبيعية، لكنها في لبنان تتحول إلى موقف يحتاج إلى دفاع دائم.
وفي خضم هذا المشهد، تظهر مفارقة أكثر حساسية. فالذين يرفعون شعارات المظلومية ويستحضرون رمزية التضحية والعدالة، هم أنفسهم الذين يضيّقون مساحة التضامن الإنساني خارج إطارهم السياسي. وكأن المظلومية تُحتكر، أو وكأن الحزن يُمنح وفق الانتماء لا وفق إنسانية الضحية.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: عن أي مظلومية يُتحدث إذا كان الحزن نفسه موضع تشكيك؟ وعن أي عدالة إذا كان التعاطف مع مواطن لبناني يُقابل باتهامات العمالة أو التخوين؟
إن البيئة التي ينتمي إليها الضحية ليست بحاجة إلى مزيد من الانقسام، بل إلى حماية أبنائها من معادلة الخسارة المستمرة. فهي البيئة التي تدفع الثمن الأكبر، وتخسر أبناءها في كل مواجهة، وتجد نفسها دائماً في قلب صراع أكبر منها، ويدفع المواطن ثمنه المباشر.
في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيدات:
قتل الجريح جريمة، مهما كان انتماؤه.
والتعاطف مع الضحية لا يعني تأييد مشروعه السياسي.
كما أن رفض مشروع حزب الله لا يعني القبول بإسرائيل أو تبرير أفعالها.
بين هذه المعادلات البسيطة، يقف لبنان اليوم في قلب مشهد عبثي، حيث يصبح الدفاع عن الإنسانية موقفاً سياسياً، ويُطلب من الناس أن يختاروا بين إنسانيتهم ومواقفهم السياسية.
لكن الحقيقة تبقى أن الإنسانية لا تُقسّم، ولا تُمنح وفق الانتماء، ولا تُسحب وفق الاصطفاف.
وأن الوقوف مع جريح قُتل بدم بارد ليس موقفاً سياسياً، بل موقف إنساني بديهي… في بلد لم تعد فيه البديهيات بديهية.

كتبت جنان شعيب: عينان مغطّاتان في الجنوب الحزين…حين تتحول الإنسانية إلى تهمة سياسية
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتبت جنان شعيب: عينان مغطّاتان في الجنوب الحزين…حين تتحول الإنسانية إلى تهمة سياسية
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
عينان مغطّاتان في الجنوب الحزين…حين تتحول الإنسانية إلى تهمة سياسية
في الجنوب اللبناني، تتكرر المشاهد ذاتها بأشكال مختلفة، لكن الصورة الأخيرة تختصر الكثير: شاب جنوبي يغطّي عينيه قبل أن يلقى مصرعه. ليست مجرد لقطة ميدانية، بل مشهد يفتح أسئلة أعمق حول معنى الحرب، وحدود القانون، وموقع الإنسان داخل صراعات تتجاوز قدرته على التحكم بها.
وفقاً للقانون الدولي الإنساني، لا يثير التوصيف القانوني لهذا النوع من الوقائع أي التباس. فاستهداف شخص جريح أو عاجز عن القتال يُعد انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف، ويرتقي إلى مستوى جريمة حرب موصوفة. ذلك أن الحماية القانونية للإنسان لا تُستمد من انتمائه السياسي أو العسكري، بل من كونه خارج دائرة القتال.
لكن في السياق اللبناني، لا تبقى هذه الوقائع ضمن إطارها القانوني الصرف، إذ سرعان ما تتحول إلى مادة انقسام سياسي حاد، يُعاد فيها تعريف الضحية وفق موقعه السياسي، ويُختبر فيها التضامن الإنساني وفق معايير الاصطفاف.
ولا تكمن خطورة المشهد في الجريمة نفسها فقط، بل في ما يرافقها من عمق العبثية التي يعيشها البلد اليوم. فبدلاً من أن يكون الحزن على مقتل جريح أعزل موقفاً إنسانياً بديهياً، يتحول هذا الحزن إلى موضع مساءلة، وكأن التعبير عن التضامن يحتاج إلى إذن سياسي أو إلى تبرير مسبق.
الأكثر إيلاماً أن البيئة التي ينتمي إليها هذا الشاب هي نفسها التي تدفع الثمن الأكبر. فهي البيئة التي تخسر أبناءها تباعاً، والقرى التي تتحمل كلفة المواجهة، والعائلات التي تعيش القلق والخسارة مع كل جولة تصعيد. هذه البيئة نفسها هي التي ينتمي إليها الضحية، وهي التي تعاني اليوم من استمرار هذه المعادلة المفتوحة على الدم والخسارة.
لكن المفارقة أن من يعبّر عن حزنه على هذا الشاب، رغم معارضته السياسية الواضحة لحزب الله، يجد نفسه أمام اتهامات جاهزة: كيف تتضامنون وأنتم ضد الحزب؟ كيف تحزنون وأنتم تعارضون مشروعه؟ وكأن الحزن أصبح موقفاً سياسياً، أو وكأن الإنسانية باتت مشروطة بالانتماء الحزبي.
في الواقع، لا تناقض في هذا الموقف. فمن الطبيعي أن يكون الإنسان ضد مشروع حزب الله، وضد منطق الميليشيا، وضد السلاح خارج إطار الدولة، وفي الوقت نفسه أن يحزن على شاب لبناني قُتل جريحاً. فهذا ليس تناقضاً، بل موقف وطني وإنساني في آن واحد. فالموقف السياسي لا يلغي إنسانية الضحية، كما أن التعاطف مع الضحية لا يعني تأييد مشروع الحزب أو تبنّي خياراته.
كما أن هذا الموقف لا يلغي أيضاً البعد الفكري والوجداني الرافض للاعتداءات الإسرائيلية أو السياسات الاستيطانية أو استهداف اللبنانيين. فالإنسان يمكن أن يكون في الوقت نفسه ضد إسرائيل وضد حزب الله، مع الدولة وضد الميليشيا، مع الإنسان وضد الحرب. وهي ليست معادلة معقدة، بل بديهية في أي دولة طبيعية، لكنها في لبنان تتحول إلى موقف يحتاج إلى دفاع دائم.
وفي خضم هذا المشهد، تظهر مفارقة أكثر حساسية. فالذين يرفعون شعارات المظلومية ويستحضرون رمزية التضحية والعدالة، هم أنفسهم الذين يضيّقون مساحة التضامن الإنساني خارج إطارهم السياسي. وكأن المظلومية تُحتكر، أو وكأن الحزن يُمنح وفق الانتماء لا وفق إنسانية الضحية.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: عن أي مظلومية يُتحدث إذا كان الحزن نفسه موضع تشكيك؟ وعن أي عدالة إذا كان التعاطف مع مواطن لبناني يُقابل باتهامات العمالة أو التخوين؟
إن البيئة التي ينتمي إليها الضحية ليست بحاجة إلى مزيد من الانقسام، بل إلى حماية أبنائها من معادلة الخسارة المستمرة. فهي البيئة التي تدفع الثمن الأكبر، وتخسر أبناءها في كل مواجهة، وتجد نفسها دائماً في قلب صراع أكبر منها، ويدفع المواطن ثمنه المباشر.
في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيدات:
قتل الجريح جريمة، مهما كان انتماؤه.
والتعاطف مع الضحية لا يعني تأييد مشروعه السياسي.
كما أن رفض مشروع حزب الله لا يعني القبول بإسرائيل أو تبرير أفعالها.
بين هذه المعادلات البسيطة، يقف لبنان اليوم في قلب مشهد عبثي، حيث يصبح الدفاع عن الإنسانية موقفاً سياسياً، ويُطلب من الناس أن يختاروا بين إنسانيتهم ومواقفهم السياسية.
لكن الحقيقة تبقى أن الإنسانية لا تُقسّم، ولا تُمنح وفق الانتماء، ولا تُسحب وفق الاصطفاف.
وأن الوقوف مع جريح قُتل بدم بارد ليس موقفاً سياسياً، بل موقف إنساني بديهي… في بلد لم تعد فيه البديهيات بديهية.











