حين تتحول المنصات إلى محاكم... القاضي محمد عساف في مواجهة حملة إلكترونية
في زمنٍ باتت فيه بعض المنصات الإلكترونية تتقمّص صفة الصحافة من دون أن تلتزم أبسط قواعدها، لم يعد التشهير يحتاج إلى ملفّ أو وثيقة أو حتى معلومة موثوقة؛ يكفي منشور، وعنوان صاخب، وحساب يقدّم نفسه للرأي العام بصفة إعلامية لا يمتلك مقوماتها.
ومن هنا بدأت هذه القصة. فقد علمت الحقيقة من مصادر خاصة داخل المحكمة الشرعية السنية العليا أن القاضي الشيخ محمد عساف يتعرّض لهجوم إلكتروني مستمر، يتضمن، بحسب المصادر، سلسلة من الادعاءات والاتهامات التي لا تستند إلى وقائع أو أدلة موثّقة، وتتناول شخصه وأداءه القضائي. وأشارت المصادر إلى أن الحملة تقودها صفحات ومنصات تقدّم نفسها على أنها صحافية، فيما يثير ما تنشره علامات استفهام حول مدى التزامها بأصول العمل الصحفي ومعايير التحقق.
القاضي محمد عساف... قاضٍ في مرمى حملة إلكترونية
في الأيام الأخيرة، برز اسم رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، القاضي الشيخ محمد عساف، في صدارة حملة إلكترونية اتخذت من منصات وصفحات تحمل أسماء صحافية منبرًا لتوجيه اتهامات وانتقادات بحقه، في مشهد يطرح سؤالًا أساسيًا: أين تنتهي حرية التعبير، وأين يبدأ الافتراء؟ وأين تقف الصحافة المهنية حين تتحول بعض الصفحات إلى منصات للتشهير وتصفية الحسابات؟
القاضي عساف ليس شخصية عابرة في المشهد القضائي الشرعي؛ فهو يتولى رئاسة المحكمة الشرعية السنية العليا منذ عام 2016، بعدما عُيّن بقرار من مجلس القضاء الشرعي الأعلى، في موقع يرتبط مباشرة بملفات الأحوال الشخصية والأسرة وقضايا تمس حياة الناس وحقوقهم.
وبينما تُفتح على الرجل أبواب الهجوم الإلكتروني، تبرز في المقابل مواقف صادرة عن داخل المؤسسة القضائية نفسها، كان آخرها بيان للمساعدين القضائيين، الذين تحدثوا عن مسيرته الأكاديمية والإدارية والقضائية، وعن آلية العمل التي قالوا إنها اتسمت بالشفافية وتسريع البت في قضايا المواطنين.
لكن بعيدًا عن لغة المديح أو التشهير، تبقى القاعدة الأهم: القضاء يُناقش بالوقائع والوثائق والأصول، لا بمنطق الحملات الإلكترونية ولا بعناوين تستبدل الدليل بالاتهام.
وفي النهاية، يبقى السؤال أكبر من قضية القاضي محمد عساف: إلى متى ستبقى بعض الصفحات قادرة على ارتداء عباءة الصحافة من دون الالتزام بأبسط قواعدها؟ وإلى متى سيبقى نشر الاتهامات أسهل من تقديم الدليل، فيما تغيب المحاسبة عمّن يحوّل المنصات إلى ساحات للتشهير؟
فالصحافة مسؤولية قبل أن تكون صفة، وحرية التعبير لا تعني منح أحد حق تشويه الناس من دون بيّنة. وبينما تبقى الكلمة سلاحًا مؤثرًا، فإن استخدامها بلا مهنية أو مساءلة لا يضرب شخصًا بعينه فحسب، بل يضرب ثقة الناس بالإعلام نفسه.










