دخلت فرنسا، اليوم السبت، على وقع موجة جديدة من الاحتجاجات التي مرشّحة للتحوّل إلى تحرّك شعبي واسع النطاق، في مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وسط تصاعد المخاوف من تآكل النموذج الاجتماعي الفرنسي القائم على توفير حدّ أدنى من تكافؤ الفرص والحماية الاجتماعية.
وفي قلب العاصمة باريس، شهدت ساحة الجمهورية توتّراً بين متظاهرين وقوات الأمن، التي لجأت إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، وفق ما أفاد صحافيون في وكالة "فرانس برس".
وقبيل الموعد المحدّد لانطلاق التظاهرة عند الساعة الثانية بعد الظهر بالتوقيت المحلي، كثّفت الشرطة انتشارها في عدد من أحياء العاصمة، فيما أطلقت الغاز المسيل للدموع باتجاه مئات المتظاهرين، الذين ارتدى معظمهم ملابس سوداء وأقنعة.
وأقدم بعض المحتجين على رشق عناصر الأمن بمقذوفات وإطلاق ألعاب نارية في اتجاههم، في مشهد عكس تصاعد التوتر الميداني قبيل بدء التحرّك رسمياً.
وتعود شرارة الاحتجاجات إلى الشهر الماضي، حين بدأت التحرّكات في المدارس الثانوية الواقعة في الضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، احتجاجاً على نقص المعلّمين وتردّي المرافق التعليمية. غير أنّ المطالب سرعان ما تجاوزت القطاع التربوي، لتتحوّل إلى حركة احتجاجية أوسع تعبّر عن استياء متنامٍ من اتّساع الفجوة الاجتماعية، وضعف الإنفاق العام، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.
وفي ظلّ الاستعدادات الأمنية المكثّفة، سُجّل انتشار واسع للشرطة في وسط باريس، ولا سيما في محيط عدد من المعالم البارزة، بينها جادة الشانزليزيه وقوس النصر، اللذان استُبعدا من مساري التظاهرتين الرسميتين. وفي موازاة ذلك، دُعي إلى تنظيم مئات التحرّكات الاحتجاجية في مختلف أنحاء البلاد، وسط توقّعات بمشاركة عشرات الآلاف.
وامتدّت مظاهر الاحتجاج إلى الشوارع، حيث أغلق متظاهرون ارتدوا السترات الصفراء الفاقعة عدداً من الطرق، في مشهد أعاد إلى الأذهان اضطرابات حركة "السترات الصفراء" التي هزّت فرنسا خلال الولاية الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون. وفي مدينة مرسيليا، أُضرمت النيران في حاويات للقمامة، في مؤشر إلى احتمال خروج بعض التحرّكات عن طابعها السلمي.
وفي تعبير عن حجم الضغوط التي تدفع الشباب إلى الشارع، قالت لولا، وهي متظاهرة تبلغ 19 عاماً في باريس، إن المحتجين يناضلون في مواجهة الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، فضلاً عن العنف الذي يتعرّض له طلاب المدارس الثانوية خلال محاولاتهم الاحتجاج والمطالبة بتحسين ظروف التعليم.
وأضافت أن الطلاب يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بتوفير مزيد من المعلّمين وضمان بيئة تعليمية لائقة، معتبرة أن تعرّضهم للإصابات خلال التحرّكات الاحتجاجية يفاقم الغضب بدلاً من احتوائه.
وتكشف هذه المطالب، في جانب منها، عن أزمة تتجاوز الضغوط الاقتصادية المباشرة، لتلامس شعوراً متزايداً لدى شرائح من المجتمع الفرنسي بأن الخدمات العامة لم تعد تلبّي احتياجاتها، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمّل قسطاً متزايداً من أعباء الأزمة.
وتأتي هذه التطوّرات فيما يدخل الرئيس إيمانويل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته، في ظلّ انقسام واضح بين الناخبين ومشهد سياسي يتّسم بالتشرذم، ما يضيّق هامش المناورة أمام السلطة التنفيذية في التعامل مع المطالب الاجتماعية المتصاعدة.
ولا تقتصر التحدّيات التي تواجه الحكومة على الشارع، إذ لم تنجح مساعي ماكرون الرامية إلى كبح الدين العام المتزايد في تبديد مخاوف المستثمرين، وسط تراجع الإقبال على السندات الفرنسية وارتفاع تكاليف الاقتراض إلى مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وفي هذا السياق، حذّر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الخميس، من احتمال وقوع اضطرابات خلال الاحتجاجات، في وقت اتّهمت فيه الحكومة حزب "فرنسا الأبية" اليساري المتشدّد بالعمل على تأجيج التحرّكات، وهو ما نفاه الحزب.
وتعزّز الدعوات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تحثّ أنصار حركات احتجاجية سابقة على الانضمام إلى التحرّكات الحالية، المخاوف من اتّساع رقعة الاحتجاجات وتحولها إلى موجة يصعب احتواؤها، خصوصاً في ظلّ تقاطع المطالب الاجتماعية والاقتصادية مع حالة الاستياء السياسي.
وتستعيد هذه التحرّكات جانباً من مشهد عام 2018، حين انطلقت حركة "السترات الصفراء" اعتراضاً على الضرائب المفروضة على وقود الديزل، قبل أن تتوسّع سريعاً لتصبح تعبيراً عن غضب أعمق إزاء ارتفاع تكاليف المعيشة واتّساع التفاوت في الدخل.
ومنذ ذلك الحين، شهدت فرنسا فترات من الهدوء النسبي، بعدما وافق ماكرون على تخفيضات ضريبية بمليارات اليورو لاحتواء الغضب الشعبي.










