تتراكم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان بوتيرة تثير القلق، فيما تتقلص قدرة اللبنانيين على تحمّل مزيد من الضغوط المعيشية، في ظل ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الرواتب وكلفة الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، أكد مستشار سياسي خاص لـ“الحقيقة” أن البلاد تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، محذرًا من أن استمرار التدهور الاقتصادي من دون معالجات جدية قد يقود إلى انفجار اجتماعي واسع، ربما يعيد لبنان إلى مشاهد 17 تشرين، ولكن بصورة أكثر قسوة وتعقيدًا.
وبحسب المستشار، فإن الفارق بين المرحلة الحالية وما سبق انتفاضة 17 تشرين يكمن في أن اللبناني اليوم يدخل الأزمة منهكًا أصلًا. فالمدخرات تراجعت، والرواتب فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، فيما ارتفعت كلفة الغذاء والتعليم والاستشفاء والنقل والخدمات الأساسية إلى مستويات لم تعد تتناسب مع مداخيل شريحة واسعة من المواطنين.
ويرى أن الخطورة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في شعور متزايد بأن لا أفق واضحًا للخروج من الأزمة، ولا إجراءات قادرة على إعادة الثقة أو تخفيف العبء عن المواطنين. ومع كل زيادة جديدة في الضرائب أو الرسوم أو كلفة الخدمات، تتراجع قدرة الناس على التكيّف أكثر.
ويحذر المستشار من أن أي شرارة اجتماعية أو اقتصادية قد تكون كافية لتحريك الشارع، خصوصًا في ظل ارتفاع منسوب الاحتقان والإحباط، مؤكدًا أن الانفجار، إذا حصل، قد لا يكون منظمًا أو محصورًا بمطالب سياسية محددة، بل قد يأخذ طابعًا معيشيًا واجتماعيًا أكثر حدّة.
ففي 17 تشرين، خرج اللبنانيون إلى الشارع تحت عناوين سياسية واقتصادية متداخلة، أما اليوم، فإن جزءًا كبيرًا من المجتمع يواجه أسئلة أكثر مباشرة: كيف يدفع فاتورة الكهرباء؟ كيف يؤمّن التعليم؟ كيف يدخل المستشفى؟ وكيف يحافظ على حد أدنى من الحياة في ظل رواتب تتآكل أمام موجات الغلاء؟
ويشير المستشار إلى أن المشكلة الأخطر تتمثل في غياب شبكة أمان حقيقية. فالطبقة الوسطى تتقلص، والفئات الأكثر هشاشة تتوسع، بينما تبدو الدولة عاجزة عن تقديم حلول مستدامة، في وقت تستمر فيه الأزمات المالية والإدارية والسياسية بالتراكم.
ولا تعني هذه القراءة أن انفجار الشارع بات حتميًا، لكنها تؤكد أن لبنان يقترب تدريجيًا من منطقة خطرة، وأن الرهان على قدرة اللبنانيين على التحمّل إلى ما لا نهاية قد يكون خطأً كبيرًا.
فالضغط الاجتماعي، حين يتجاوز حدوده، لا يحتاج إلى قرار سياسي كي يتحول إلى غضب في الشارع.
وإذا بقيت الأوضاع الاقتصادية على مسارها الحالي، من دون خطوات إصلاحية حقيقية تعيد بعض التوازن إلى حياة الناس، فقد لا يكون السؤال: هل يعود مشهد 17 تشرين؟
بل: هل يكون المقبل أسوأ منه؟











