بين منشورات وغارات… أولويات الدولة اللبنانية
عندما تُستدعى الكلمة ويُترك القصف بلا مساءلة
أ. ش – موقع الحقيقة
في الوقت الذي تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، مُخلِّفةً قتلى ودمارًا وتوترًا أمنيًا متصاعدًا، برز في المشهد الداخلي مسار موازٍ لا يقل حضورًا، تمثّل في استدعاء عدد من الصحافيين إلى التحقيق على خلفية منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تناولت رئيس الجمهورية. مشهدان متزامنان يختصران المفارقة اللبنانية: سماء مفتوحة أمام الطائرات المعادية، ومكاتب رسمية تُفتح على مصراعيها لملاحقة منشورات إلكترونية.
فالعدوان الإسرائيلي المتكرر، الذي يشكّل خرقًا واضحًا للسيادة اللبنانية ولاتفاق وقف الأعمال العدائية، لم ينجح حتى الآن في تحريك مسار قضائي أو سياسي فاعل يوازي خطورته. في المقابل، بدت منشورات فيسبوك كأنها الخطر الداهم الذي استدعى تحرّكًا سريعًا، واستنفارًا قانونيًا، واستدعاءات متتالية. لا جدال في أن حرية التعبير لا تعني التشهير، ولا أن المنصب الرئاسي خارج إطار الاحترام، غير أن الإشكالية تكمن في ترتيب الأولويات، وفي التوقيت تحديدًا، حيث تتزامن التحقيقات مع واحدة من أكثر المراحل الأمنية حساسية منذ سنوات.
فبينما يُطلب من الصحافي شرح نياته وتفسير كلماته، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابات: من يُحاسب على انتهاك الأجواء اللبنانية؟ ومن يتولى حماية المدنيين في القرى المستهدفة؟ وأين تقف الدولة من مفهوم السيادة حين تُنتهك بالصواريخ لا بالتعليقات؟
اللافت أن الاستدعاءات القضائية أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة – جديدة تتعلق بحرية الصحافة في لبنان، البلد الذي لطالما قدّم نفسه مساحةً للرأي والتعدد، وموقعًا متقدمًا في حرية الإعلام قياسًا بمحيطه العربي. فحين تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة تحقيق، وتُقرأ السخرية بوصفها جرمًا محتملاً، يُطرح تساؤل مشروع حول ما إذا كانت الدولة تسير نحو ضبط الفضاء العام بدل حمايته، ومراقبة الخطاب بدل معالجة أسبابه.
في المقابل، تبدو الغارات الإسرائيلية وكأنها خبر اعتيادي، يُسجَّل في البيانات ثم يُطوى من دون مسار محاسبة واضح، أو تحرّك سياسي قادر على ترجمة مفهوم السيادة إلى فعل فعلي. لا يمكن فصل المسارين عن بعضهما. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ هيبتها لا تفعل ذلك عبر تقييد الكلمة، بل عبر حماية الأرض. والسيادة لا تُصان بمحاضر الاستجواب، بل بمنع الانتهاك، أو على الأقل بمواجهته سياسيًا وقانونيًا على المستويين العربي والدولي.
إن أخطر ما في المشهد الراهن ليس الاستدعاء بحد ذاته، بل الرسالة التي قد تُفهم منه: أن التعبير عن الرأي بات أكثر كلفة من خرق الحدود، وأن منشورًا قد يستدعي محاسبة أسرع من غارة جوية.
في بلدٍ يرزح تحت ضغط أمني واقتصادي غير مسبوق، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار للأولويات الوطنية، وإلى مقاربة متوازنة تحمي المقامات الدستورية من جهة، وتصون حرية الصحافة والسيادة الوطنية من جهة أخرى. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على ملاحقة الكلمات، بل بقدرتها على حماية مواطنيها.
في اللحظات المفصلية، تُختبر الدول بقدرتها على التمييز بين ما يهدد هيبتها فعليًا وما يلامسها رمزيًا فقط. فالكلمة، مهما بلغت حدّتها، تبقى جزءًا من الحياة الديمقراطية، بينما الغارة تبقى فعلًا عدوانيًا مكتمل الأركان. إن حماية المقامات الدستورية لا تنفصل عن حماية السيادة، ولا يمكن لأي سلطة أن تطلب احترامها فيما حدودها مستباحة وقرارها معلّق. فالدولة التي تنشغل بملاحقة التعبير وتغفل عن مواجهة الاعتداء، تخاطر بأن تفقد الاثنين معًا: هيبتها وحريتها. وفي بلدٍ اعتاد تأجيل الأسئلة الكبرى، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تُبنى الدولة بمحاسبة الآراء، أم بحماية الأرض التي تُقال عليها؟

خاص الحقيقة: بين منشورات وغارات… أولويات الدولة اللبنانية عندما تُستدعى الكلمة ويُترك القصف بلا مساءلة
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
خاص الحقيقة: بين منشورات وغارات… أولويات الدولة اللبنانية عندما تُستدعى الكلمة ويُترك القصف بلا مساءلة
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
بين منشورات وغارات… أولويات الدولة اللبنانية
عندما تُستدعى الكلمة ويُترك القصف بلا مساءلة
أ. ش – موقع الحقيقة
في الوقت الذي تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة، مُخلِّفةً قتلى ودمارًا وتوترًا أمنيًا متصاعدًا، برز في المشهد الداخلي مسار موازٍ لا يقل حضورًا، تمثّل في استدعاء عدد من الصحافيين إلى التحقيق على خلفية منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تناولت رئيس الجمهورية. مشهدان متزامنان يختصران المفارقة اللبنانية: سماء مفتوحة أمام الطائرات المعادية، ومكاتب رسمية تُفتح على مصراعيها لملاحقة منشورات إلكترونية.
فالعدوان الإسرائيلي المتكرر، الذي يشكّل خرقًا واضحًا للسيادة اللبنانية ولاتفاق وقف الأعمال العدائية، لم ينجح حتى الآن في تحريك مسار قضائي أو سياسي فاعل يوازي خطورته. في المقابل، بدت منشورات فيسبوك كأنها الخطر الداهم الذي استدعى تحرّكًا سريعًا، واستنفارًا قانونيًا، واستدعاءات متتالية. لا جدال في أن حرية التعبير لا تعني التشهير، ولا أن المنصب الرئاسي خارج إطار الاحترام، غير أن الإشكالية تكمن في ترتيب الأولويات، وفي التوقيت تحديدًا، حيث تتزامن التحقيقات مع واحدة من أكثر المراحل الأمنية حساسية منذ سنوات.
فبينما يُطلب من الصحافي شرح نياته وتفسير كلماته، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا إجابات: من يُحاسب على انتهاك الأجواء اللبنانية؟ ومن يتولى حماية المدنيين في القرى المستهدفة؟ وأين تقف الدولة من مفهوم السيادة حين تُنتهك بالصواريخ لا بالتعليقات؟
اللافت أن الاستدعاءات القضائية أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة – جديدة تتعلق بحرية الصحافة في لبنان، البلد الذي لطالما قدّم نفسه مساحةً للرأي والتعدد، وموقعًا متقدمًا في حرية الإعلام قياسًا بمحيطه العربي. فحين تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة تحقيق، وتُقرأ السخرية بوصفها جرمًا محتملاً، يُطرح تساؤل مشروع حول ما إذا كانت الدولة تسير نحو ضبط الفضاء العام بدل حمايته، ومراقبة الخطاب بدل معالجة أسبابه.
في المقابل، تبدو الغارات الإسرائيلية وكأنها خبر اعتيادي، يُسجَّل في البيانات ثم يُطوى من دون مسار محاسبة واضح، أو تحرّك سياسي قادر على ترجمة مفهوم السيادة إلى فعل فعلي. لا يمكن فصل المسارين عن بعضهما. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ هيبتها لا تفعل ذلك عبر تقييد الكلمة، بل عبر حماية الأرض. والسيادة لا تُصان بمحاضر الاستجواب، بل بمنع الانتهاك، أو على الأقل بمواجهته سياسيًا وقانونيًا على المستويين العربي والدولي.
إن أخطر ما في المشهد الراهن ليس الاستدعاء بحد ذاته، بل الرسالة التي قد تُفهم منه: أن التعبير عن الرأي بات أكثر كلفة من خرق الحدود، وأن منشورًا قد يستدعي محاسبة أسرع من غارة جوية.
في بلدٍ يرزح تحت ضغط أمني واقتصادي غير مسبوق، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار للأولويات الوطنية، وإلى مقاربة متوازنة تحمي المقامات الدستورية من جهة، وتصون حرية الصحافة والسيادة الوطنية من جهة أخرى. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على ملاحقة الكلمات، بل بقدرتها على حماية مواطنيها.
في اللحظات المفصلية، تُختبر الدول بقدرتها على التمييز بين ما يهدد هيبتها فعليًا وما يلامسها رمزيًا فقط. فالكلمة، مهما بلغت حدّتها، تبقى جزءًا من الحياة الديمقراطية، بينما الغارة تبقى فعلًا عدوانيًا مكتمل الأركان. إن حماية المقامات الدستورية لا تنفصل عن حماية السيادة، ولا يمكن لأي سلطة أن تطلب احترامها فيما حدودها مستباحة وقرارها معلّق. فالدولة التي تنشغل بملاحقة التعبير وتغفل عن مواجهة الاعتداء، تخاطر بأن تفقد الاثنين معًا: هيبتها وحريتها. وفي بلدٍ اعتاد تأجيل الأسئلة الكبرى، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تُبنى الدولة بمحاسبة الآراء، أم بحماية الأرض التي تُقال عليها؟







