تجارة مؤجَّلة.. لماذا لم يقترب العرب من فنزويلا؟
موقع الحقيقة – إ. ش
رغم الخطاب السياسي المشترك الذي جمع عدداً من الدول العربية وفنزويلا حول رفض الهيمنة الأميركية والدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي، لم يُترجم هذا التقارب يوماً إلى علاقات تجارية فاعلة. إذ تُظهر بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة (UN Comtrade)، كما تعرضها منصات مثل Trading Economics ومرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، أن التبادل التجاري بين الجانبين بقي ضعيفاً من حيث الحجم، ضيّق القاعدة ومجزّأً، رغم الإمكانات النظرية الكبيرة لدى الطرفين.
تتصدّر الإمارات قائمة الشركاء العرب لفنزويلا من حيث الأرقام المسجَّلة. ففي عام 2024، بلغت صادرات الإمارات إلى فنزويلا نحو 198 مليون دولار، مقابل واردات بنحو 64 مليون دولار. غير أن قراءة هذه الأرقام في سياقها تكشف أن العلاقة ليست تجارية تقليدية، بل تقوم إلى حدّ كبير على دور الإمارات كمركز عبور وإعادة تصدير. فجزء معتبر من هذا التبادل لا يعكس استهلاكاً محلياً أو إنتاجاً موجَّهاً مباشرة، بل حركة سلع تمر عبر موانئها ضمن هوامش ضيّقة فرضتها العقوبات على فنزويلا.
في الحالة المصرية، تبدو العلاقة أكثر وظيفية منها شراكة اقتصادية. إذ بلغت صادرات فنزويلا إلى مصر في عام 2023 نحو 19 مليون دولار، تركزت أساساً في خردة الحديد، بما يخدم احتياجات صناعية محددة. هذا النمط من التبادل يبقى سريع التأثر بتقلبات الأسعار ودورات الطلب، في ظل ضعف الصادرات المصرية إلى السوق الفنزويلية المتأزمة، التي تعاني نقصاً حاداً في العملات الصعبة.
أما السعودية، فعلى الرغم من ثقلها الاقتصادي، فقد بقي حضورها التجاري في فنزويلا محدوداً. إذ لم تتجاوز صادراتها إلى فنزويلا في عام 2024 نحو 2.6 مليون دولار، مقابل واردات بقيمة 1.65 مليون دولار. ويعود ذلك أساساً إلى تشابه البنية الاقتصادية المعتمدة على النفط، ما يقلّص فرص التكامل، إضافة إلى الحذر الشديد من المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بالعقوبات الأميركية.
وتظهر الكويت والمغرب في موقع الشركاء الثانويين. فالكويت تسجّل أرقاماً شبه رمزية لا تتعدّى مليون دولار في الصادرات، فيما يقتصر التبادل المغربي–الفنزويلي على سلع غذائية محدودة، مثل القشريات البحرية، من دون دينامية توسّع أو استراتيجية طويلة الأمد.
وتجمع تقارير البنك الدولي ومرصد التعقيد الاقتصادي على أن العامل الحاسم في ضعف هذه العلاقات يكمن في هيكل الاقتصاد الفنزويلي نفسه، القائم على الاعتماد شبه الكامل على النفط، وهو قطاع تضرّر بشدة من العقوبات، وتراجع الاستثمارات، وتدهور البنية التحتية. كما أن القيود المصرفية وصعوبات التحويل جعلت أي تعامل تجاري طويل الأمد محفوفاً بالمخاطر.
نظرياً، يمكن للتجارة العربية–الفنزويلية أن تتحسّن إذا ترافقت ثلاثة شروط: تخفيف العقوبات، واستقرار سياسي داخلي، وإعادة بناء القدرات الإنتاجية، خصوصاً في قطاع الطاقة. لكن غياب استراتيجية عربية واضحة تجاه أميركا اللاتينية عموماً، والاكتفاء بمقاربات حذرة وردّة فعل، جعلا هذه الإمكانات تبقى معلّقة. وعليه، لا تعكس محدودية التجارة العربية–الفنزويلية ضعف الإمكانات بقدر ما تكشف تراكب السياسة على الاقتصاد، وغياب الشروط اللازمة لتحويل الخطاب إلى شراكة فعلية، وهي معادلة مرشّحة للاستمرار في المدى المنظور.
تجارة مؤجَّلة.. لماذا لم يقترب العرب من فنزويلا؟
موقع الحقيقة – إ. ش
رغم الخطاب السياسي المشترك الذي جمع عدداً من الدول العربية وفنزويلا حول رفض الهيمنة الأميركية والدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي، لم يُترجم هذا التقارب يوماً إلى علاقات تجارية فاعلة. إذ تُظهر بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة (UN Comtrade)، كما تعرضها منصات مثل Trading Economics ومرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، أن التبادل التجاري بين الجانبين بقي ضعيفاً من حيث الحجم، ضيّق القاعدة ومجزّأً، رغم الإمكانات النظرية الكبيرة لدى الطرفين.
تتصدّر الإمارات قائمة الشركاء العرب لفنزويلا من حيث الأرقام المسجَّلة. ففي عام 2024، بلغت صادرات الإمارات إلى فنزويلا نحو 198 مليون دولار، مقابل واردات بنحو 64 مليون دولار. غير أن قراءة هذه الأرقام في سياقها تكشف أن العلاقة ليست تجارية تقليدية، بل تقوم إلى حدّ كبير على دور الإمارات كمركز عبور وإعادة تصدير. فجزء معتبر من هذا التبادل لا يعكس استهلاكاً محلياً أو إنتاجاً موجَّهاً مباشرة، بل حركة سلع تمر عبر موانئها ضمن هوامش ضيّقة فرضتها العقوبات على فنزويلا.
في الحالة المصرية، تبدو العلاقة أكثر وظيفية منها شراكة اقتصادية. إذ بلغت صادرات فنزويلا إلى مصر في عام 2023 نحو 19 مليون دولار، تركزت أساساً في خردة الحديد، بما يخدم احتياجات صناعية محددة. هذا النمط من التبادل يبقى سريع التأثر بتقلبات الأسعار ودورات الطلب، في ظل ضعف الصادرات المصرية إلى السوق الفنزويلية المتأزمة، التي تعاني نقصاً حاداً في العملات الصعبة.
أما السعودية، فعلى الرغم من ثقلها الاقتصادي، فقد بقي حضورها التجاري في فنزويلا محدوداً. إذ لم تتجاوز صادراتها إلى فنزويلا في عام 2024 نحو 2.6 مليون دولار، مقابل واردات بقيمة 1.65 مليون دولار. ويعود ذلك أساساً إلى تشابه البنية الاقتصادية المعتمدة على النفط، ما يقلّص فرص التكامل، إضافة إلى الحذر الشديد من المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بالعقوبات الأميركية.
وتظهر الكويت والمغرب في موقع الشركاء الثانويين. فالكويت تسجّل أرقاماً شبه رمزية لا تتعدّى مليون دولار في الصادرات، فيما يقتصر التبادل المغربي–الفنزويلي على سلع غذائية محدودة، مثل القشريات البحرية، من دون دينامية توسّع أو استراتيجية طويلة الأمد.
وتجمع تقارير البنك الدولي ومرصد التعقيد الاقتصادي على أن العامل الحاسم في ضعف هذه العلاقات يكمن في هيكل الاقتصاد الفنزويلي نفسه، القائم على الاعتماد شبه الكامل على النفط، وهو قطاع تضرّر بشدة من العقوبات، وتراجع الاستثمارات، وتدهور البنية التحتية. كما أن القيود المصرفية وصعوبات التحويل جعلت أي تعامل تجاري طويل الأمد محفوفاً بالمخاطر.
نظرياً، يمكن للتجارة العربية–الفنزويلية أن تتحسّن إذا ترافقت ثلاثة شروط: تخفيف العقوبات، واستقرار سياسي داخلي، وإعادة بناء القدرات الإنتاجية، خصوصاً في قطاع الطاقة. لكن غياب استراتيجية عربية واضحة تجاه أميركا اللاتينية عموماً، والاكتفاء بمقاربات حذرة وردّة فعل، جعلا هذه الإمكانات تبقى معلّقة. وعليه، لا تعكس محدودية التجارة العربية–الفنزويلية ضعف الإمكانات بقدر ما تكشف تراكب السياسة على الاقتصاد، وغياب الشروط اللازمة لتحويل الخطاب إلى شراكة فعلية، وهي معادلة مرشّحة للاستمرار في المدى المنظور.








