حين تسقط الشرعية: إيران بين حكم القوة وحدود الانفجار
أ.ش – موقع الحقيقة
لم تعد الأزمة الإيرانية مجرّد موجة احتجاج عابرة، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لطبيعة النظام السياسي الذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود. فمع اتساع رقعة الغضب الشعبي وتحوّله إلى تمرّد اجتماعي واقتصادي وسياسي شامل، بات واضحًا أن الجمهورية الإسلامية فقدت آخر ما تبقّى لها من شرعية قائمة على الرضى أو القبول الضمني، وانتقلت إلى مرحلة الحكم بالقوة العارية وحدها.
طوال سنوات، نجح النظام الإيراني في الموازنة بين القمع والاحتواء، وبين العصا الأمنية وبعض التنازلات الاجتماعية أو الاقتصادية المحدودة. هذا التوازن سمح له بالحفاظ على ما يشبه العقد الاجتماعي الهش مع شرائح واسعة من الإيرانيين، خصوصًا أولئك الذين كانوا يطمحون إلى التغيير التدريجي ويخشون كلفة الانفجار الشامل. اليوم، يبدو أن هذا الهامش قد أُغلق نهائيًا.
الاحتجاجات الأخيرة لم تقتصر على فئة أو منطقة أو مطلب بعينه. شارك فيها العمّال والطلاب والنساء والتجّار، وامتدّت من الأطراف إلى قلب المدن. الأخطر من ذلك أنها مسّت ركائز اجتماعية كان النظام يعتبرها تاريخيًا ضمن نطاق السيطرة أو الحياد، مثل تجّار البازار والطبقات المحافظة. هنا، لم يعد الغضب موجّهًا فقط ضد سياسات بعينها، بل ضد رأس النظام نفسه.
في مواجهة هذا المشهد، اختار الحكم الردّ بأدواته الأكثر بدائية: القتل والاعتقال والمحاكمات السريعة. الاستخدام الواسع للذخيرة الحيّة ضد متظاهرين عزّل، واللجوء إلى خطاب ديني يجرّم الخصوم باعتبارهم أعداء الله، يكشفان حجم الانزلاق نحو نموذج حكم لا يرى في المجتمع شريكًا أو حتى خصمًا سياسيًا، بل خطرًا وجوديًا يجب سحقه.
هذا التحوّل لا يعكس فقط قسوة النظام، بل ضعفه أيضًا. فالدولة التي تستند إلى الرضى تستطيع المناورة والإصلاح والاحتواء، أما الدولة التي تحكم بالقوة وحدها فتدخل سباقًا مفتوحًا مع الزمن. صحيح أن التاريخ مليء بأنظمة استبدادية صمدت سنوات طويلة رغم فقدانها للشرعية، لكن الثمن كان دائمًا مضاعفًا: مزيد من الدم، ومزيد من العزلة، ومزيد من التآكل الداخلي.
اقتصاديًا، لم تعد الأزمة قابلة للاحتواء بالخطاب أو بتحميل المسؤولية للعقوبات الخارجية وحدها. فجزء كبير من الانهيار يعود إلى بنية نظام اقتصادي فاسد، مركزي، ومسلّح، يتركّز في أيدي دوائر ضيقة مرتبطة بالسلطة الأمنية والعسكرية. هذا النموذج لم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار أو النمو، بل أصبح محرّكًا مباشرًا للغضب الاجتماعي.
أما على المستوى الدولي، فتبدو خيارات التدخّل محدودة وملتبسة. العقوبات قد تزيد الضغط، لكنها لا تغيّر سلوك نظام يعتبر البقاء مسألة حياة أو موت. التدخّل العسكري يحمل مخاطر هائلة وقد يأتي بنتائج عكسية، كما أثبتت تجارب كثيرة في المنطقة. وفي كل الأحوال، لا يمكن لقوة خارجية أن تصنع التغيير نيابة عن مجتمع يعيش الصراع في الداخل.
الخلاصة أن إيران تقف اليوم عند مفترق حاسم. النظام اختار طريق القوة، متخلّيًا عن أي وهم للإصلاح أو التوافق. هذا الخيار قد يؤمّن بقاءً مؤقتًا، لكنه يراكم في الوقت نفسه شروط الانفجار الأكبر. ما يحدث ليس صراعًا سياسيًا تقليديًا، بل مواجهة بين دولة فقدت شرعيتها ومجتمع لم يعد يملك ما يخسره. وفي مثل هذه اللحظات، قد يتأخر السقوط، لكنه يصبح مسألة وقت لا أكثر.

خاص الحقيقة: حين تسقط الشرعية: إيران بين حكم القوة وحدود الانفجار
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
خاص الحقيقة: حين تسقط الشرعية: إيران بين حكم القوة وحدود الانفجار
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
حين تسقط الشرعية: إيران بين حكم القوة وحدود الانفجار
أ.ش – موقع الحقيقة
لم تعد الأزمة الإيرانية مجرّد موجة احتجاج عابرة، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لطبيعة النظام السياسي الذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود. فمع اتساع رقعة الغضب الشعبي وتحوّله إلى تمرّد اجتماعي واقتصادي وسياسي شامل، بات واضحًا أن الجمهورية الإسلامية فقدت آخر ما تبقّى لها من شرعية قائمة على الرضى أو القبول الضمني، وانتقلت إلى مرحلة الحكم بالقوة العارية وحدها.
طوال سنوات، نجح النظام الإيراني في الموازنة بين القمع والاحتواء، وبين العصا الأمنية وبعض التنازلات الاجتماعية أو الاقتصادية المحدودة. هذا التوازن سمح له بالحفاظ على ما يشبه العقد الاجتماعي الهش مع شرائح واسعة من الإيرانيين، خصوصًا أولئك الذين كانوا يطمحون إلى التغيير التدريجي ويخشون كلفة الانفجار الشامل. اليوم، يبدو أن هذا الهامش قد أُغلق نهائيًا.
الاحتجاجات الأخيرة لم تقتصر على فئة أو منطقة أو مطلب بعينه. شارك فيها العمّال والطلاب والنساء والتجّار، وامتدّت من الأطراف إلى قلب المدن. الأخطر من ذلك أنها مسّت ركائز اجتماعية كان النظام يعتبرها تاريخيًا ضمن نطاق السيطرة أو الحياد، مثل تجّار البازار والطبقات المحافظة. هنا، لم يعد الغضب موجّهًا فقط ضد سياسات بعينها، بل ضد رأس النظام نفسه.
في مواجهة هذا المشهد، اختار الحكم الردّ بأدواته الأكثر بدائية: القتل والاعتقال والمحاكمات السريعة. الاستخدام الواسع للذخيرة الحيّة ضد متظاهرين عزّل، واللجوء إلى خطاب ديني يجرّم الخصوم باعتبارهم أعداء الله، يكشفان حجم الانزلاق نحو نموذج حكم لا يرى في المجتمع شريكًا أو حتى خصمًا سياسيًا، بل خطرًا وجوديًا يجب سحقه.
هذا التحوّل لا يعكس فقط قسوة النظام، بل ضعفه أيضًا. فالدولة التي تستند إلى الرضى تستطيع المناورة والإصلاح والاحتواء، أما الدولة التي تحكم بالقوة وحدها فتدخل سباقًا مفتوحًا مع الزمن. صحيح أن التاريخ مليء بأنظمة استبدادية صمدت سنوات طويلة رغم فقدانها للشرعية، لكن الثمن كان دائمًا مضاعفًا: مزيد من الدم، ومزيد من العزلة، ومزيد من التآكل الداخلي.
اقتصاديًا، لم تعد الأزمة قابلة للاحتواء بالخطاب أو بتحميل المسؤولية للعقوبات الخارجية وحدها. فجزء كبير من الانهيار يعود إلى بنية نظام اقتصادي فاسد، مركزي، ومسلّح، يتركّز في أيدي دوائر ضيقة مرتبطة بالسلطة الأمنية والعسكرية. هذا النموذج لم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار أو النمو، بل أصبح محرّكًا مباشرًا للغضب الاجتماعي.
أما على المستوى الدولي، فتبدو خيارات التدخّل محدودة وملتبسة. العقوبات قد تزيد الضغط، لكنها لا تغيّر سلوك نظام يعتبر البقاء مسألة حياة أو موت. التدخّل العسكري يحمل مخاطر هائلة وقد يأتي بنتائج عكسية، كما أثبتت تجارب كثيرة في المنطقة. وفي كل الأحوال، لا يمكن لقوة خارجية أن تصنع التغيير نيابة عن مجتمع يعيش الصراع في الداخل.
الخلاصة أن إيران تقف اليوم عند مفترق حاسم. النظام اختار طريق القوة، متخلّيًا عن أي وهم للإصلاح أو التوافق. هذا الخيار قد يؤمّن بقاءً مؤقتًا، لكنه يراكم في الوقت نفسه شروط الانفجار الأكبر. ما يحدث ليس صراعًا سياسيًا تقليديًا، بل مواجهة بين دولة فقدت شرعيتها ومجتمع لم يعد يملك ما يخسره. وفي مثل هذه اللحظات، قد يتأخر السقوط، لكنه يصبح مسألة وقت لا أكثر.







