في السياسة.. لا تُقاس المسافات دائماً بالزيارات والمواقف المعلنة، فهناك علاقات تُبنى بهدوء، ورسائل تُقرأ من خلف المشهد وحسابات تنتظر توقيتاً مناسباً للظهور، ومن هنا تأتي علاقة الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي مع مختلف القوى الداخلية والخارجية كأحد الملفات التي تبقى حاضرة في الكواليس، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي خلدون الشريف في حديث لموقع "الحقيقة" إن يد نجيب ميقاتي تبقى ممدودة باتجاه بعبدا، موضحاً أن الأمر لا يرتبط فقط بالطائرة التي وضعها ميقاتي تحت تصرف رئيس الجمهورية جوزاف عون، فالعلاقة السياسية بين الرجلين تتجاوز التفاصيل البروتوكولية، وترتبط بمسار من التواصل والانفتاح خلال المرحلة الحالية.
ويشير الشريف إلى أن الحديث عن اعتبار بعبدا المفتاح الأساسي لعودة ميقاتي إلى رئاسة الحكومة مجدداً، أو أن كل الخطوات التي قام بها تأتي في هذا السياق، لا يعكس حقيقة الصورة كاملة، فاختيار رئيس الحكومة في لبنان يرتبط عادة بتوازنات داخلية واسعة وتفاهمات عربية ودولية، إلى جانب الحسابات المحلية، مع الإشارة إلى أن رغبة ميقاتي في العودة إلى السراي ليست أمراً مخفياً.
ويضيف أن علاقة ميقاتي بالرئيس نواف سلام ليست في أفضل مراحلها، في حين تبقى علاقته مع بعبدا وعين التينة جيدة جداً، خصوصاً في ظل وجود قنوات تواصل تحفظ المصالح المشتركة وتبقي الأبواب مفتوحة أمام مختلف الاحتمالات السياسية.
ويرى الشريف أن حضور ميقاتي الخارجي يشكل عاملاً أساسياً في صورته السياسية، فالرجل حافظ خلال السنوات الماضية على شبكة علاقات واسعة مع عواصم وشخصيات دولية، سواء عبر موقعه الرسمي سابقاً أو عبر نشاطاته المختلفة، مشيراً إلى أن علاقاته مع قادة دول مثل رئيس جنوب أفريقيا أو الكونغو، إلى جانب المشاريع الخيرية والإنمائية التي يقوم بها ومنها بناء جامع في تنزانيا، تعطي صورة عن نمط الحضور الذي يسعى إلى تثبيته خارج الحدود اللبنانية.
وكون العمل السياسي في لبنان يقوم على مجموعة معقدة من التفاهمات، فإن امتلاك شبكة علاقات داخلية وخارجية يبقى عنصراً مهماً لأي شخصية تطمح إلى لعب دور في المرحلة المقبلة، غير أن الوصول إلى رئاسة الحكومة يحتاج إلى لحظة سياسية ناضجة وتوافقات تتجاوز رغبة أي اسم منفرد.
ويختم الشريف حديثه بالتأكيد أن نجيب ميقاتي يملك الحق في أن يكون مرشحاً لرئاسة الحكومة، وأن تجربته السياسية تمنحه حضوراً في هذا المسار، إلا أن الحديث عن عودته إلى السراي يبدو سابقاً لأوانه، خصوصاً أن الانتخابات النيابية المقبلة، في حال حصولها، لا تزال تفصل عنها فترة زمنية تقارب السنة والنصف، وهي مدة كافية لتبدل الكثير من الحسابات والتحالفات في المشهد اللبناني.













