الحرية في النظرية السياسية: بين رئاسة الأحرار وسيادة السادة
ليست الحرية في النظرية السياسية التي يستلهمها الفكر الإسلامي مجرد شعار أخلاقي أو حق قانوني تمنحه السلطة لرعاياها، بل هي الوصف الأنطولوجي لطبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان ــ كما فهمه ابن خلدون ــ ليس كائنًا خاضعًا بطبعه، بل هو «رئيس بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له». ومن هنا تبدأ الثورة المفهومية التي يقيمها هذا التصور في فهم السياسة والإنسان معًا.
فالفلسفات السياسية القديمة والحديثة، على اختلافها، قامت في العمق على نموذج واحد: نموذج السيد والعبد. في الفلسفة اليونانية كان العقل علامة سيادة تميز طبقة من البشر عن غيرها، وفي الفلسفات الحديثة أعيد إنتاج العلاقة ذاتها في صورة طبقية أو عرقية أو مؤسساتية تجعل بعض البشر مؤهلين للحكم بطبيعتهم، فيما يُدفع الآخرون إلى موقع الخضوع.
أما التصور الإسلامي فيقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. فبدل السيادة الطبيعية لبعض البشر على بعض، يقرر مبدأ الرئاسة بالطبع، أي إن كل إنسان مخلوق ليكون حرًا، مشاركًا في تدبير الشأن العام، لا تابعًا ولا مملوكًا لغيره. فالحرية هنا ليست امتيازًا سياسيًا تمنحه الدولة، بل هي مقتضى الاستخلاف الإنساني ذاته.
ومن هذا المنطلق يصبح العمل السياسي في جوهره عملًا تحريريًا لا هيمنيًا. فمهمة السياسة ليست إخضاع الجماعة لإرادة الحاكم، بل تنظيم إرادة الأحرار في إطار جماعي يقوم على الشورى والبيعة والمحاسبة. فالحاكم ليس سيدًا، بل رئيسًا تختاره الجماعة، وتراقبه، وتعزله إذا انحرف عن مقتضى العدل والشرع. ولهذا جاء التعبير القرآني دقيقًا حين وصف الجماعة المؤمنة بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾؛ فالأمر ــ أي الشأن العام ــ ملك للجماعة، لا امتياز لفرد أو طبقة.
ولذلك ارتبط مفهوم الحرية في هذا التصور بمهمة تاريخية واضحة عبّر عنها شعار الفتوحات الإسلامية: تحرير البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. فالمقصود ليس مجرد تغيير سلطة سياسية بسلطة أخرى، بل إنهاء كل نظام يقوم على استعباد الإنسان للإنسان، سواء تم ذلك بالقوة السياسية أو بالهيمنة الاقتصادية أوه بالخداع الرمزي.
ولهذا حذر القرآن من شكلين خفيين من الاستعباد: سلطان المال وسلطان الكلمة. فالعملة حين تتحول إلى أداة فساد وهيمنة، والكلمة حين تتحول إلى وسيلة خداع وتضليل، تصبحان معًا وجهين جديدين لعبادة العجل في التاريخ. ومن هنا كان تحرير الإنسان من هذين السلطانين شرطًا لقيام مجتمع الأحرار.
إن الحرية في هذه النظرية السياسية ليست إذن حرية فردية مجردة، بل بنية أخلاقية وسياسية تقوم على ثلاث دعائم: إنسان حر بالاستخلاف، وجماعة تدير أمرها بالشورى، وسلطة خاضعة للمراقبة والمحاسبة. وبهذا المعنى تكون السياسة قيادة الأحرار للأحرار، لا سيادة الأقوياء على الضعفاء.
وعندما تغيب هذه المعادلة تتحول السياسة إلى مجرد إدارة للاستعباد، ويتحول المجتمع إلى فضاء تُدار فيه العلاقة بين السيد والعبد بأشكال جديدة. أما حين تتحقق، فإن السياسة تستعيد معناها الأصلي: تنظيم الحرية الإنسانية في إطار العدل والاستخلاف.

كتب عادل اسماعيل: الحرية في النظرية السياسية: بين رئاسة الأحرار وسيادة السادة

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: الحرية في النظرية السياسية: بين رئاسة الأحرار وسيادة السادة

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
الحرية في النظرية السياسية: بين رئاسة الأحرار وسيادة السادة
ليست الحرية في النظرية السياسية التي يستلهمها الفكر الإسلامي مجرد شعار أخلاقي أو حق قانوني تمنحه السلطة لرعاياها، بل هي الوصف الأنطولوجي لطبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان ــ كما فهمه ابن خلدون ــ ليس كائنًا خاضعًا بطبعه، بل هو «رئيس بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له». ومن هنا تبدأ الثورة المفهومية التي يقيمها هذا التصور في فهم السياسة والإنسان معًا.
فالفلسفات السياسية القديمة والحديثة، على اختلافها، قامت في العمق على نموذج واحد: نموذج السيد والعبد. في الفلسفة اليونانية كان العقل علامة سيادة تميز طبقة من البشر عن غيرها، وفي الفلسفات الحديثة أعيد إنتاج العلاقة ذاتها في صورة طبقية أو عرقية أو مؤسساتية تجعل بعض البشر مؤهلين للحكم بطبيعتهم، فيما يُدفع الآخرون إلى موقع الخضوع.
أما التصور الإسلامي فيقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. فبدل السيادة الطبيعية لبعض البشر على بعض، يقرر مبدأ الرئاسة بالطبع، أي إن كل إنسان مخلوق ليكون حرًا، مشاركًا في تدبير الشأن العام، لا تابعًا ولا مملوكًا لغيره. فالحرية هنا ليست امتيازًا سياسيًا تمنحه الدولة، بل هي مقتضى الاستخلاف الإنساني ذاته.
ومن هذا المنطلق يصبح العمل السياسي في جوهره عملًا تحريريًا لا هيمنيًا. فمهمة السياسة ليست إخضاع الجماعة لإرادة الحاكم، بل تنظيم إرادة الأحرار في إطار جماعي يقوم على الشورى والبيعة والمحاسبة. فالحاكم ليس سيدًا، بل رئيسًا تختاره الجماعة، وتراقبه، وتعزله إذا انحرف عن مقتضى العدل والشرع. ولهذا جاء التعبير القرآني دقيقًا حين وصف الجماعة المؤمنة بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾؛ فالأمر ــ أي الشأن العام ــ ملك للجماعة، لا امتياز لفرد أو طبقة.
ولذلك ارتبط مفهوم الحرية في هذا التصور بمهمة تاريخية واضحة عبّر عنها شعار الفتوحات الإسلامية: تحرير البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. فالمقصود ليس مجرد تغيير سلطة سياسية بسلطة أخرى، بل إنهاء كل نظام يقوم على استعباد الإنسان للإنسان، سواء تم ذلك بالقوة السياسية أو بالهيمنة الاقتصادية أوه بالخداع الرمزي.
ولهذا حذر القرآن من شكلين خفيين من الاستعباد: سلطان المال وسلطان الكلمة. فالعملة حين تتحول إلى أداة فساد وهيمنة، والكلمة حين تتحول إلى وسيلة خداع وتضليل، تصبحان معًا وجهين جديدين لعبادة العجل في التاريخ. ومن هنا كان تحرير الإنسان من هذين السلطانين شرطًا لقيام مجتمع الأحرار.
إن الحرية في هذه النظرية السياسية ليست إذن حرية فردية مجردة، بل بنية أخلاقية وسياسية تقوم على ثلاث دعائم: إنسان حر بالاستخلاف، وجماعة تدير أمرها بالشورى، وسلطة خاضعة للمراقبة والمحاسبة. وبهذا المعنى تكون السياسة قيادة الأحرار للأحرار، لا سيادة الأقوياء على الضعفاء.
وعندما تغيب هذه المعادلة تتحول السياسة إلى مجرد إدارة للاستعباد، ويتحول المجتمع إلى فضاء تُدار فيه العلاقة بين السيد والعبد بأشكال جديدة. أما حين تتحقق، فإن السياسة تستعيد معناها الأصلي: تنظيم الحرية الإنسانية في إطار العدل والاستخلاف.








