- عندما يُعلَن العجز… ويُترك الناس لمصيرهم
لم يكن تصريح نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، ردًا على المطالب بفتح أبواب المجلس وأوقافه لإيواء النازحين، حين قال: «ليذهبوا إلى الدولة»، مجرد عبارة عابرة في سجال إعلامي. فقد جاءت كلماته في لحظةٍ مثقلة بالألم، لحظةٍ يُفترض فيها أن تتقدم المسؤولية الأخلاقية على الحسابات الضيقة، وأن تتكلم المؤسسات بلغة التضامن لا بلغة التنصّل.
فالنازحون الذين يطرقون الأبواب اليوم ليسوا غرباء يُحال أمرهم إلى جهة أخرى، بل هم أبناء هذا المجتمع نفسه؛ أهلٌ لنا، ووجعهم من وجعنا. وفي أوقات المحن، لا تُختبر قيمة المؤسسات الدينية والاجتماعية بقدرتها على إصدار المواقف، بل بقدرتها على احتضان الناس عندما تضيق بهم الأرض.
غير أن المأساة الإنسانية التي يعيشها هؤلاء ليست حادثًا معزولًا عن سياقها. فهي نتيجة مسار سياسي طويل جرى خلاله الدفاع عن خيارات كبرى وتبريرها بشعارات العزة والكرامة. لكن التاريخ علّمنا أن السياسات لا تُقاس بالشعارات التي تُرفع عند اتخاذها، بل بما تخلّفه من آثار في حياة الناس. وعندما تتحول تلك الخيارات إلى نزوح ودمار وخسائر في الأرواح والأرزاق، يصبح التنصّل من تبعاتها أو إلقاؤها كاملة على عاتق الدولة أمرًا يصعب قبوله.
والمفارقة أن الدولة التي يُطلب منها اليوم أن تتحمّل كامل المسؤولية هي نفسها الدولة التي جرى، لسنوات طويلة، تعطيل قدرتها على القيام بدورها الطبيعي أو الاعتراض على بسط سلطتها الكاملة. فلا يمكن أن تتحول الدولة إلى عنوان يُستدعى عند الحاجة، فيما يُرفض في الوقت نفسه تمكينها من ممارسة سيادتها ووظيفتها.
لذلك يتطلع كثيرون اليوم إلى أن يستعيد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى دوره الطبيعي كمؤسسة جامعة ومستقلة، تعبّر عن مصالح المجتمع الذي يفترض أن تمثله، لا أن تبدو امتدادًا لتجاذبات السياسة. فالمجلس، وفق قانونه الناظم، ليس إطارًا رمزيًا، بل مؤسسة يفترض أن تقوم على إدارة واضحة وشفافة للأوقاف والموارد، بحيث تكون سندًا للمجتمع في أوقات الشدة قبل الرخاء.
أما الشيعة الذين يُختزلون أحيانًا في أصوات مرتفعة أو مظاهر صاخبة، فهم في حقيقتهم أناس بسطاء اعتادوا عفّة النفس ودماثة الأخلاق. يحملون آلامهم بصمتٍ ثقيل، وتعتصر قلوبهم خسارة أحبّتهم ودمار قراهم وبيوتهم وأرزاقهم، ويواجهون ذلك بالصبر والإيمان، لا بالصخب ولا بالتهديد.
ومهما اشتدت الجراح، يبقى حق الناس في المساءلة قائمًا. فعندما تنقشع غبار هذه المرحلة وتتكشف الحقائق، سيكون من حق المجتمع أن يسأل: من اتخذ القرارات؟ ومن قاد الخيارات التي أوصلت الناس إلى هذا المصير؟
فالمحاسبة ليست انتقامًا، بل شرطٌ للعدل، والعدل وحده هو الضمانة كي لا تتكرر الأخطاء التي دفعت المجتمعات ثمنها من أمنها وبيوتها وكرامتها.